استقراء لذاكرة الفنان الراحل "هيال أبا زيد"

استقراء لذاكرة الفنان الراحل "هيال أبا زيد"

 

 علاء الجمّال:

الراحل "هيال أبا زيد" فنان تشكيلي "سوري" ولد في "درعا" عام 1944، تربى في كنف أسرة متواضعة، اهتم بالرسم منذ طفولته وكان للفنان التشكيلي السوري الراحل "محمود حماد" جانباً هاماً في رعاية موهبته وسبرها في كلية الفنون الجميلة "بدمشق"، وبعد تخرجه منها عام 1967، أقام عدّة معارض شخصية في "بيروت والجزائر والرياض و ألمانيا وبلغاريا"،عمل خلال مسيرته موجها" لمادة التربية الفنية حتى عام 1980، ورئيساً" لمركز الفنون التشكيلية "بدرعا" حتى عام 2004، وهو العضو في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وعضو شرف في جمعية الثقافة و الفنون الجزائرية، ومشارك دائم في معارض وزارة الثقافة واتحاد الفنانين التشكيليين داخل وخارج "سورية".

 

تأثر الراحل بالجنوب السوري، كما أوضحت الدراسات التي أجريت حول أعماله في التصوير الزيتي قبل وبعد أن وافته المنية في 23/4/2008 في "درعا"،مستوحياً مشروعه البصري من معالم التراث في منطقته، مقتبساً الزخارف العربية والعادات والتقاليد والأجواء الشعبية كمقام جمالي يرسمه بأسلوب واقعي مبسط، يعتمد فيه على إظهار الخطوط البيانية الأولى للشكل دون اللجوء إلى التشريح أو التفاصيل الدقيقة,من هنا رسم الراحل الإنسان بآماله وآلامه، ووثق لخصوصية شرقية مازجتها الأساطير المتوارثة من الذاكرة الشعبية,وقارب بذلك أعمال الفنان التشكيلي السوري الراحل "لؤي كيالي" الذي أسس لمفهوم الواقعية المبسطة، وطوّر خطوطها التشكيلية حتى غدت مذهباً  نموذجياً اتبعه الكثير من الفنانين التشكيليين فيما بعد.

 

البحث في علم الشكل واللون

أخضع "أبا زيد" أسلوبه في التعبير إلى الألوان المركبة، المتسمة بالحدّة والتقشف والكثافة في بعض مواضعها، مستوحياً وجودها من تضاريس "الجنوب السوري"، متأثراً بألوان ترابه وتنوعه النباتي ونحت الطبيعة في صخوره..هذا الإدراك والغنى حوله في الوسط التشكيلي السوري من رسام يوثق حاضره إلى باحث في علم اللون والشكل الواقعي، يقدمهما رسالة  بصرية تثقيفية إلى العين المتأملة.

وعرف عنه تفانيه في العمل التشكيلي، وحرصه على الفنانين الشباب في مواصلة عملهم وتنمية مهارتهم الأسلوبية في الرسم، ووفائه للفنانين الرواد الذين عملوا على رعايته وإثبات وجوده، وسعيه الدائم إلى خلق حيز من التبادل الثقافي مع الغير، واستقدام الثقافات الجديدة واستنهاض القديمة منها، حيث ولفها ضمن أعماله صوراً محمّلة باللين والقسوة الدالة على تأثره ببيئته وتقشف الحياة المعاشة في طبيعتها.

 

نال الراحل العديد من الجوائز وبراءات التقدير والتكريم من قبل وزارة الثقافة ونقابة الفنون الجميلة "بدمشق" وفرع "درعا"، كما أوفد إلى "الاتحاد السوفيتي" عام 1985 لتمثيل "سورية" في الملتقى الدولي للرسم في الهواء الطلق، و أوفد إلى "الجزائر" عام 1987 لتمثيل فناني "سورية" في لقاء الفنانين العرب في الذكرى 25 لاستقلالها، وله بعض الأعمال الفنية مخلدة في المتحف الوطني "بتدمر"، وفي متحف الفن الشرقي ـ "موسكو" وفي متحف الفن الشرقي ـ "الجزائر" وفي الاتحاد السوفييتي".

 

التمسك بالقضايا الإنسانية

للتعمق في حياة الفنان السوري "هيال أبا زيد" e syriaزارت فرع اتحاد الفنانين التشكيليين ـ "درعا" في 28/8/2008، وأجرت محاورات قصيرة مع بعض الفنانين حول أعماله وكينونته كإنسان، والبداية كانت مع رئيس الاتحاد "محمود الجوابرة" الذي قال:«حضي الراحل " هيال أبا زيد" في بداية حياته الفنية باهتمام الفنانين التشكيليين السوريين "محمود حماد وأدهم إسماعيل وممدوح قشلان" الذين درسوا مادة الرسم في "درعا" آن ذاك، وهذا الاهتمام أوصله  كموهبة متفردة إلى كليّة الفنون الجميلة عام 1962، وبعد تخرجه عمل على استلهام التراث الحوراني الزخرفي من البيوت الشعبية والعادات والقيم، التي حاول رسمها خلال سني حياته كفعل ثقافي يكون قوة فاعلة أمام ما تحتاجه المنطقة من حوار  وثقافات جديدة».

وأضاف:عند رؤية أعمال الفنان "أبا زيد" تصبح مجبراً على التعمق والبحث طويلاً في اللوحة، يمكنك أن ترى الطبيعة والماء واليابسة تنسجم مع بعضها كأنها صباحات تلقي عليك من فيض  الجمال.

وقال الفنان التشكيلي السوري "سعد شوقي"«ارتبط الراحل "أبا زيد" مع الأرض  والأدوات التي طيّعها بلوحته ألواناً "حورانية" توافقت مع المكان في "درعا". لقد تناول الفلكلور الشعبي بطريقة متفردة وأضافه إلى العمل محاطاً بالعنصر الرمزي الذي وظفه بشكل أكاديمي وجميل».

وأضاف: استلهم الراحل تراثيات واقعه المحلي، فاستوحى منها زخارفه وتشكيلاته البصرية وبعض الأحيان كان يتناول البسط "الحورانية" القديمة، حاول أن يوظفها في لوحته من خلال دراسة اللون والشكل الواقعي، واستطاع أن يكون مع استمراره شخصية بارزة في الوسط التشكيلي السوري.

وأشار "شوقي" إلا أن الفنان "أبا زيد" أثبت حضور "الجنوب السوري" في الحركة التشكيلية، وكان متمسكاً بالمواطنة والقضايا الاجتماعية الإنسانية على السواء.