"العتابا".. شعر توثيق وتاريخ منطقة الجزيرة

الحسكة – كسار مرعي

منذ ظهور هذا النوع من الشعر العربي المحكي، أي قبل ألف عام تقريباً عمل هذا اللون على توثيق الحالة الاجتماعية للمنطقة، فقد برعت العتابا في توصيف الحالة الاجتماعية للبدو الرّحل، خصوصاً ما يتعلق منها بحلول الويلات والمصائب على قومٍ ما، كما حمل هذا اللون هموم الآخرين في ذلك الزمن للسامعين على مر العصور المتلاحقة وصولاً إلى يومنا هذا، ولم تنسى العتابا أن تتغنى في وصف البطولات وتصوير حالات الكرم وإقراء الضيف وإغاثة الملهوف.

ويطلق على هذا الشعر في مناطق الجزيرة والفرات "الفراقيات"، وهي تدلل على حصول الفراق غير المخطط له، وغالباً ما يحمل بين سطوره حنينٌ جامح للوطن ومضارب الأهل والخلان، ويعتبر هذا الإرث إحدى صفحات هذه الديار وقطعةً مهمةً من تاريخها، إذ لم يكن لون العتابا من نتاج شخصٍ بعينه، بل نتيجة جهدٍ جماعي تناقله الكثيرون وبرع في أداءه أعلامٌ من سكان المنطقة.

يقول "أحمد شوحان" في كتابه "الفراقيات" الذي طبع بتاريخ  21/11/1985 في محافظة دير الزور:"بتقديري أن العتابا قيلت منذ أكثر من ألف عام، وبالتحديد في منطقة وادي الرافدين؛ الذي شهد معارك طاحنة وحروب أهلية مؤسفة كحرب الجمل وحرب صفين وحرب كربلاء ومقتل الحسين عليه السلام، وهذه الحروب إذا أضيفت إلى الفقر والغزو المغولي واجتياح بغداد ووادي الفرات وحلب ودمشق وفلسطين، تعتبر بيئة خصبةً لنمو مثل هذا النوع من الشعر وازدهاره، كل ذلك كان حريّاً به أن يبدع نوعاً جديداً من الغناء، يختلف اختلافاً جذرياً عن غناء القصور ومجالس الطرب والنشوة.

وفن العتابا هو نتاجُ لعدد كبير من الشعراء المجهولين، فلا أحد يعرف عددهم أو مواطنهم أو سني ولادتهم ووفاتهم، غير أن أهل المنطقة ما زالوا يتناقلون بعض تلك الأسماء التي كانت قريبةً من منطقة الفرات؛ والذين ينتسبون إلى قبيلة "الجبور" التي سكنت وادي الفرات ثم امتدت وانتقلت إلى الجزيرة العليا، ومنهم "واوي العجل الخابوري" الذي لعب دوراً كبيراً في ديوان "تمرباش" في منطقة "الملّية"، كما يُذُكر من كبار قائلي العتابا وأشجع فرسان القبائل الشيخ "عبد الله الفاضل"، الذي ينتمي إلى قبيلة "الحسنة" العنزية، حيث ولد في منطقة "العلا" بين محافظتي حمص، وحماة".

ومن الشعراء الذين تمتعوا بشهرةٍ واسعة بحسب الأستاذ "شوحان"، الشاعر "حسن التكريتي" الذي قدم وبحسب ما يُفهم من اسمه من "تكريت" في العراق إلى مدينة "دير الزور"، وأعجب بما شاهده من جمال مدينة دير الزور وشواطئ الفرات وحسن النساء والسباحة ونقل الماء فأنشد يقول:

على هزرة* أبو عاشچ يسبحان    گذلٍّ سود والحاجب يَسِبْحَاْنْ

ريــام الديـر هَلْوِرْدَنْ وِسِبْحَانْ    وْمِنْـــهِنْ مــا تهيـــَّا لِـيْ حَدَا

وفي ذات الوقت برز من دير الزور شاعِرٌ معتِّب هو "عبد الله الحسين الضامن"، والشاعر "محيمد العلو" الذي برع في نظم العتابا ارتجالاً، ثم لحق بهم شاعرٌ وفنان هو "عگَّار" البغدادي الذي أبدع في العزف على آلة الرباب وأحسن غناء العتابا، وقد سمعه يوماً الشاعر "محمد الفراتي" فقال فيه:

أصــدح من قيثار بتهوڤن    ربــــــــابة من يد عگار

قد أسكرتني أمسُ ألحانها    بل كهربت روحي بتيار

ويقال أن أصل العتابا من العتب والمعاتبة، وقيل عاتبه عتباً ومعَتِبَةً ومَعْتَبَةً ومَعْتَباً، وتقال العتابا في حال خروج تصرفٍ غير مقبولٍ من شخص لا تُنتظر منه هذه التصرفات، وقال "الغطمش الضبَّي:

أقول وقد فاضت بعيني عبرة    أرى الدهر يبقى والأخلاءُ تذهبُ

أخلَّاي لو غير الحِمامِ أصابكم    عَتَبْتُ، ولكن ليس للدهر مَعْتَبُ

وقيل:

أٌعاتبُ ذا المودِّة من صديقٍ    إذا ما رابني من اجتنابُ

إذا ذهب العتابُ فليس وُدّ    ويبقى الوُدُّ مـا بقي العتابُ

ويذكر المؤلف أن أهل "الرِقّة زعموا أن العتابا نشأت في مناطقهم، إذ يستدلون على ذلك بقصة طريفة مفادها، أن رجلاً كان قد تزوج امرأتين وضعت إحداهن طفلاً، فأخذت الغيرة من الثانية مأخذاً كبيراً، وبعد أيام انكشف أمرها فهربت  ولحق بها زوجها يبحث عنها، فالتجأت إلى زوجٍ غيره ونزلت لبنان فانقطعت أخبارها فقال زوجها:

عَتَــابا بين لحظي وبينْ لفتي    عَتَابَا ليش وِلغيرِي ولفتِي

أنا ما رُوح للگاظي ولا افتي    عَتَـــــــاباَ بالثلاثة مطلَّگا

وتنقسم العتابا كما يرى "شوحان" إلى "الهواويات" وهي ضروبٌ من الشعر تتعلق بالغزل والتشبيب بالنساء والصبيان، من جمال وأدب وأخلاق وذوق وروح سامية، والقسم الثاني هو "الفراقيات"؛ وهو شبه البكاء على القبور وعدُّ المحاسن للرجال والأقوام والبلاد والوطن، وامتدت العتابا إلى القول والتغني في فضائل الدين الحنيف فكان أفضل من نظم العتابا الدينية هو الشيخ "حسين الرمضان" ومما قال:

أبُــوْ بَـــكْرٍ مَـــعَ الْمُخْتَارْ هَاجَرْ    سَـــرِيٍّ مِـنْ نَسِلْ آزَرْ وِهَاجَرْ

وَهَى عَزْمَ لِحْبَابْ وْمَا وَهَى جَرْ    جْنُوْدو وْمَـحتِفَى بْلُومَ لِصْحَابْ

وأخيراً يجدر القول أن العتابا توسعت لتقول بها النساء نظماً ومغنى وممن اشتهر بهذا اللون "فطيم البشر"، وهي امرأة من قبيلة "الجبور" كانت تسكن في منطقة بالقرب من "مركدة" جنوب "الحسكة"، وقيل أن لها ولدان الكبير ويقال له "البچر"، والثاني ويقال له "الثنو"، وقد ذهبا ليسبحا في نهر "الخابور" فغرقا فيه فجاءها الخبر فأنشدت تقول:

يَمِنْ عِنْدو ذِلولْ شْدَادْ بَكْرَايْ    تِوَصِّلْنْي مَحَارِيْ الْوِلف بَكْرَايْ

أَنِيْ هَلْظيَّعِتْ ثِنْوِيْ وْبَكْرَايْ    وْمَـــــا ظِنْ الظَّيَّعْ الرِّبْعيْ لِگىْ

 

*الهزرة: بناء من حجر الكلس والملاط على بعد نحو عشرة أمتار من شاطئ الفرات أمام الدير العتيق شرقي قصر البلدية بناها السيد موسى الحاج أبو عاشق وهي عبارة عن ديوان يجلس به وجهاء الدير يومذاك يتناولون القهوة العربية وكانت مفخرة من مفاخر المدينة.