"رفيق سبيعي"... فنان الشعب الذي تفوق على "أبو صياح"

الأحد 25 تموز 2010

لانا حاج جسن

عندما يجلس ويحاورك يفوح من كلماته عبق "دمشق" و"حي البزورية" ذلك الحي الذي لا يلبث أن يذكره حتى يعود بشريط ذكرياته الطفولية إلى جوار الجامع الأموي وقصر العظم. على الرغم من عقوده الثمانية لا يزال الفنان "رفيق سبيعي" أو كما يعرفه الكثيرون "أبو صياح" يحتال على نفسه لكي يجد مبرراً ليزور الحي الذي ترعرع بين توابله ورائحته، فبرأيه لا أحد يعرف "دمشق" إلا إذا مرّ بهذا الحي.

تربى في عائلة محافظة، وعلى الرغم من ذلك كانت الموسيقا تترك أثراً كبيراً في نفسه، ولا سيما أنه كان لا يؤدي فروضه المدرسية إلا إذا أدارت له والدته آلة الفونوغراف. الطفل الذي استهواه الطرب حاولت العائلة رسم قدره، والوضع الاجتماعي يفرض نشأة دينية. فأخوه الأكبر كان يحضر الأذكار في المساجد، ويأخذه معه يوم الجمعة ليقف بين المنشدين، ويردّد الأشعار، وكان الشيخ يحب أداءه. لكن الولع الموسيقي زاد عند "رفيق" الطفل وهو ما قاده للتوجه نحو الغناء في بعض الأعراس نتيجة إعجاب الحضور بصوته، وكل هذه التجارب لم تزد طموحه الموسيقي إلا مزيداً من التقدم.

حكاية "رفيق سبيعي" هي حكاية التجربة الفنية السورية في القرن العشرين التي لا يزال شاهدها حياً، بل مستمراً في نشاطه من خلال أعماله الإذاعية التلفزيونية. هو ذلك الفنان الذي لم يبق حبيس شخصية "أبو صياح" وشهرتها حيث نجح في الخروج من سطوتها الفنية وهو ما لم يقو عليه فنانون كبار.

موقع eDamascusالتقى الفنان "رفيق سبيعي" وكان هذا الحوار.

* أنت ابن أسرة دمشقية عريقة ومحافظة، هل كان دخولك لعالم الفن بطريقة المصادفة، أم أنك كنت تنوي فعلاً خوض هذه التجربة؟

** لا شيء يحدث بطريق المصادفة، فكل شيء مقدر ومكتوب وفنان بالمصادفة لا يمكن أن يكون. منذ أن كنت طفلا وأنا أحب الغناء وأستمع إلى الأسطوانات التي كانت موجودة في بيتنا على الرغم من قدمها فكنت لا أكتب وظيفتي إلا إذا أدارت أمي الأسطوانة وبمجرد توقفها كنت أتوقف عن الكتابة. الغناء كان نوعا من الغذاء الروحي أنا ابن عائلة فقيرة جدا أبي كان يعمل عند أولاد عمه في شركة شحن بضائع بالقطار كان يصطحبني معه إلى محطة الحجاز كانت مهمته جمع البضائع من سوق "مدحت باشا" والبزورية وكانت هذه البضائع تشحن إلى فلسطين. كنت أعيش الجو الذي في محطة الحجاز، أبي كان يضعني في القهوة التي كان يجلس فيها حملة البضائع وكانوا وقتها يعطونني كعكاً وشاياً وكنت أغني لهم. حين بلغت الحادية عشرة من عمري صرت أبحث عن الأماكن التي يكون فيها أعراس وحفلات غناء لأحضرها وأغني لهم.

* لماذا كانت البداية الفنية مع فن المونولوج الناقد؟

** نتيجة أن الغناء سكن في قلبي أصبحت أغني على المسارح وأصبحت بذلك مطرباً. بداية كنت أحب أن أستمع إلى أغاني الشعراء الشعبيين لأنهم كانوا ينظمون أغاني ناقدة أمثال "سلامة الأغواني" و"عمر الزعني"، وهذا ما دفعني للتوجه إلى المونولوج الناقد.

كبرت وبدأت التمثيل لكن الغناء ظل هاجسي واكتشفت فيما بعد أنه من غير الممكن أن أكون مطرباً لأن صوتي لغاية العشرين كان مقبولاً ولكن بعد ذلك بدأ يضعف وتخف نكهة الصنعة التي كانت فيه، ولكن ظل موضوع الغناء يسكنني فعندما بدأت التمثيل على المسارح أخذت أمثل وأغني. كنت أغني لـ"كارم محمود" و"عبد العزيز محمود" و"عبد الغني السيد".

فمنذ أن كان عمري 19 سنة ولغاية 55 سنة كنت أغني وأمثل وعندي رصيد غنائي جيد.

* أنت من أدخل فن المونولوج الغنائي الناقد إلى سورية كيف نستطيع إحياء هذا الفن من جديد؟

** أصبح من الصعب جداً تحقيق ذلك أولاً لأنه يجب أن يكون الشخص حريصاً وثانياً ضرورة ألا يتناول جهة معينة.

* لشخصية "أبو صياح" حكاية، ماذا تحدثنا عنها؟

** كنت في أوائل الخمسينيات أعمل ملقناً في المسرح قبل أن أعمل في مجال التمثيل، وكان وقتها الفنان "عبد اللطيف فتحي" يعمل مخرجاً مسرحياً وقد احتاج إلى ملقن، وأنا كنت أعمل ملقناً في مسرح ولكن دون أجرة، رآني مطرب كان اسمه "تيسير عارف" كان يسير مع المرحوم "عبد اللطيف" في منطقة "السنجقدار" وكان يحدثه أنه بحاجة إلى ملقن فأخبرني "تيسير" وطلب مني الحضور إلى المسرح وجرب أدائي بحفلة صباحية كانت للسيدات وأعجبه أدائي.

بعدها انتقلت إلى مسرح الأندلس الذي أقيم على مكان قهوة التوتة وهو مكان بنك بيمو الفرنسي السعودي اليوم في شارع 29 أيار وبدأت بالتلقين.

بطريق المصادفة كان الممثل "أنور مرابط" يؤدي دور "أبو صياح" في مسرحية، أراد أن يتغيب فطلب منه المخرج أن يحضر بديلاً منه لهذا اليوم فكنت أنا البديل عملت وقتها بليرتين (وكان مشهدا واحدا لمدة خمس دقائق)، أذكر وقتها أنه من فرحتي لم أنم واستعرت الشروال من أحد الأصدقاء وجهزت نفسي. بعد إعجابه بأدائي طلب مني الاستمرار في العمل وهكذا ولدت شخصية "أبو صياح".

* القوة في شخصية "أبو صياح" تكمن في أداء الشخصية، ألم يكن صعباً أداء دور شخصية شعبية؟

** على العكس تكوين الشخصية كان سهلاً علي لأني كنت أسكن في منطقة كل من فيها "أبو صياح" ورنة اللهجة كانت سهلة علي فالجميع كان يلبس مثله ولهجته كانت ساكنة في أعماقي وأنا ابن بيئة شعبية وعندما تعطي الشخصية بصدق تنجح، وأنا كنت صادقاً ولذلك نجحت الشخصية. كنت أؤدي شخصية "أبو صياح" بلا تعب أبداً لاني أؤدي شيئا يخرج من أعماقي.

* ألا تحن لهذه الشخصية أحياناً؟

** دائما أحن إليها فهي السبيل الذي ساعدني أن أحتل مكانة مرموقة في عالم الفن، وأوصل شهرتي إلى العالم العربي.

* تفتقد الدراما السورية إلى مهارة صنع "الكاركترات" أي "الشخصيات"، مثل "أبو صياح" قديماً، وحديثاً أبطال مسلسل ضيعة ضايعة، لماذا برأيك؟

** لأن الشخصيات السابقة الذكر وحتى أنا في أداء شخصية "أبو صياح" كنا من أبناء المنطقة التي نمثل شخصياتها، فقد استطعنا أن نعيش الدور من دون أي تمثيل، وبالتالي الأدوار كانت طبيعية وعفوية.

* أغنية "ابن العم" التي غنتها الفنانة "شريفة فاضل" كانت من كلماتك، كيف جاءت فكرة كتابة الأغاني وباللهجة البدوية؟

** كتابة الأغاني هواية أمارسها وقد كتبت العديد من الأغاني لعدد من المطربين ولم يكن صعبا علي الكتابة باللهجة البدوية والمسرح ساعدني كثيراً في هذا المهمة. فقد كنت في مصر أتبع دورة في الإخراج الإذاعي لمدة ثلاثة أشهر تواصلت خلالها مع الإذاعة المصرية وتعرفت فيها على رئيس دائرة الموسيقا فعرضت عليه أغنية "ابن العم" وقد أعجبته، لقد كان شخصية ذكية جداً فطلب مني أن أكتب مقاطع إضافية للأغنية داخل الإذاعة وليس خارجها ليتأكد من أن الكلمات من تأليفي وفعلت ذلك. كما أني كتبت العديد من الأغاني وغنيتها.

* "مقالب غوار"، "حمام الهنا"، مسلسلان يسكنان في ذاكرة متابعي التلفزيون السوري، كيف اجتمعت بالفنانين "نهاد قلعي" و"دريد لحام" وكيف كانت البداية؟

** البداية كان سببها النظرة الثاقبة لمدير التلفزيون آنذاك الاستاذ "صباح قباني"، حين كان يتابعني على المسرح كان مديراً للفنون في وزارة الثقافة حضر لي مسرحية كنت أمثل فيها مع المرحوم "عبد اللطيف فتحي" شخصية "أبو صياح" وظلت الشخصية في ذهنه إلى أن تأسس التلفزيون وجمعني مع "نهاد" و"دريد" فقد التقيته في مصر وطلب مني عند عودتي إلى "دمشق" أن أقابله وبهذا كانت البداية.

* تجربتك السينمائية لم تكن غنية بغنى أعمالك الدرامية، لماذا هذا التقصير بحق السينما؟

** في بدايات السينما كنا نحاول تسويق أنفسنا للخارج فبدأت بعدد من الأفلام منها كوميدي ومنها جاد ورصيدي السينمائي يضم حوالي 55 فيلماً. ولكن السينما من الصعب أن تساعد الفنان على الظهور كما الدراما فالفيلم لم يكن يغطي تكاليف إنتاجه، ومهمتنا خلال تجربتنا السينمائية المتواضعة كانت أن نؤسس لسينما سوريّة.

* ألم يكن من الصعب في فترة الخمسينيات إقناع الناس أن ما تقومون به هو فن؟

** بالطبع كان صعباً جداً ولكن كنا مؤمنين بأن عجلة الزمن لا يمكن أن تعود للخلف وكان الأمل هو السبب الأول لكفاحنا.

* منحك السيد الرئيس "بشار الأسد" وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة، ماذا تحدثنا عن أهمية هذا الحدث في حياتك؟

** هو من أكثر الأحداث أهمية في حياتي لأن معناه اعتراف الدولة والجهات الرسمية بأني فنان قدم لسورية الكثير.

* اليوم إذا عرض عليك إعادة إحياء شخصية "أبو صياح"، هل ستقوم بذلك؟

** بالتأكيد، ففي وقتنا الحالي نشهد فبركة شخصيات شامية ولكن تفتقد إلى النكهة الشامية الحقيقية فنجد أن القسوة هي المظهر الطاغي على الشخصية.

* لمن تحن في الساحة الفنية؟

** كنت عاشقا للفرقة السورية التي كانت تمثل في الإذاعة السورية فكنت أعشق شخصية "أبو فهمي"، و"أبو رشدي" خزان الحكايا على الرغم من أنه كان شخصاً أميّا، وفي برنامجي الحالي "حكواتي الفن" أسعى إلى إحياء هذه الشخصية من خلال المقدمة التي أستخدمها والتي كانت هي نفسها التي يستخدمها "أبو رشدي" (ستاتي وسادتي وأحبائي ونور عيوني الكرام الله يسعد أوقاتكون).

* كيف تقيم وضع الدراما السوري اليوم، وخاصة النموذج المستقى من البيئة الشعبية؟

** لا شك أن الدراما السورية قطعت أشواطاً مهمة في الساحة الدرامية العربية، مع وجود بعض المطبات وأتوقع أن تحرز تقدما أفضل نتيجة للتقدم التكنولوجي الموجود.

* أنت من أوائل من أحيا الفلكلور الدمشقي والغناء في العراضة والحمامات، كيف يمكن إعادة تكريس هذه الحالة؟

** التكريس لن يتم إلا بنوع من الحماية وهنا يأتي دور الدولة أيضا في حماية الفلكلور.

* ما الشخصية التي كنت ترغب في أن تؤدي دورها ولم تتح لك الفرصة؟

** كنت أتمنى أن أمثل شخصية "عطيل" ولكن لم يحالفني الحظ في ذلك.

خمسة تواريخ لن ينساها الفنان "رفيق سبيعي"

1930 الولادة في حي البزورية في دمشق.

1953 ولادة «أبو صياح» بعد خمس سنوات على دخوله عالم التمثيل.

1961 انضمّ إلى دريد لحّام ونهاد قلعي ممثلاً في التلفزيون السوري.

المخرج التلفزيوني والباحث الموسيقي "جميل ولاية" تحدث عن شخصية الفنان "رفيق سبيعي" بالقول: «تعرفت على الفنان "رفيق سبيعي" في "حلب" عندما كان يعمل مع فرقة "سعد الدين بقدونس" كنت أذهب مع الأستاذ "أديب السيد" الذي كان يكتب أحيانا للفنان "سعد الدين"، كان الأستاذ "رفيق" يتردد على إذاعة "حلب". بعدها كتب الأستاذ "شاكر بريخان" عملين غنائي واستعراضي وشاركنا فيه أنا و"رفيق"، وفي عام 2000 عملنا على تقديم مسرحية كانت البطولة لنا أنا بدور كوميدي وللفنان "رفيق" ومطربة وممثلة تدعى "سحر".

آخر عمل مسرحي كان لي في "حلب" وشاركني فيه الفنان "رفيق" كان بعنوان "موعد مع النصر" مأخوذ عن كاتب مسرحي أمريكي يدعى "جون شتاينبك". وفي مجال العمل التفزيوني عمل الفنان "رفيق" معي في مسلسل "نهاوند" الذي كتبه "حكمت محسن" وأدى الفنان "رفيق" دور "سعدو حني كفك"، وكان دوره تمثيليا وغنائيا، لأول مرة غنى المونولوج الذي كان من ألحان "سهير منيني".

"رفيق" فنان يكاد يكون شاملاً وهو أكثر من رائع بالتمثيل وقادر على أداء أي دور تطلبه منه، بالإضافة إلى التمثيل برع بالغناء والعزف فكان أحيانا يعزف على العود ويؤدي أغانٍ يعزفها. بالإضافة لكل ما ذكر هو فنان منتقي لفن المونولوج الناقد فبعد "سلامة الأغواني" كان "رفيق" هو الأشهر بل يمكننا القول إنه اتخذ طريقا مختلفا له عن المرحوم الفنان "سلامة الأغواني".

"رفيق" نجم بكل معنى الكلمة وقد كان يؤدي دور "أبو صياح" بكل براعة فهو ذلك الإنسان الشعبي القبضاي الذي لا يقبل الهوان ومع الحق دائما، وفي مسلسل "رجال وضباب" والذي كان من إخراجي، الشخصية التي أداها الفنان المرحوم "عدنان بركات" في هذا المسلسل كنت قد عرضتها عليه لكنه لم يوافق لأن الدور يمثل شخصية رجل خائن، فشخصية أبو "صياح" لا تتناسب معها إلا شخصيات لها نفس الفكر وهذه ميزة امتاز بها "رفيق".

"رفيق" هو رفيق العمر وقد عمل معي في مسلسل "ليالي الشرق" الذي كتبه "شاكر بريخان" أدى فيه دور البطولة وهو مسلسل غنائي أقرب للأوبريت. الميزة التي امتاز بها "رفيق" هو أنه احترف الفن في الوقت الذي كان فيه صعبا، واحترافه كان بطولة، فأنا كنت أخاف من احتراف الفن ولكن "رفيق" لم يكن كذلك. فهو رجل مثقف ودوره في الحياة الفنية كبير وفي حياة الفنانين. فقد كان فناناً مميزاً وبمجرد أن يستلم الدور يقول له المخرج رؤيته ويترك الباقي لإبداعه».