موسيقا الشرق من "أور" إلى "أوغاريت" (6)

أدوات الموسيقا في أوغاريت ونصوصها
كمال شاهين - اللاذقية
كانت الموسيقا في أوغاريت جزءاً حيوياً من نظامها الحياتي والديني والاقتصادي أيضاً، فهي تحتل مرتبة مقدسة، مغنوها يذكرون في نصوص أوغاريت الملكية، كما يحضرون بصفتهم وسطاء للآلهة، عدا عن حضورها في الاحتفالات الشعبية والرسمية.

عثر على العديد من الآلات الموسيقية، النفخية والقرعية والوترية والعاجية في المدينة الصغيرة، عدا عن الاكتشاف الأهم لأنشودة العبادة الأوغاريتية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس حتى الوقت الحاضر، من هذه الآلات النفخية "البوق" العاجي الذي اكتشف عام 1952 في أنقاض القصر الملكي، وقد تبين أنه "بوق" مصنوع من ناب فيل وليس "إناء لصب الزيت" وثبت أن الفتحة المستوية المقصوصة في الأعلى "تسمح للشفتين أن توضعا بارتياح للقيام بالنفخ، ويبدو أن هذا الناب قد تعرض إلى ترقيق خارجي ليتوافق مع المظهر الجانبي، قام به فنان العاج الأوغاريتي ليجعل منه أداة فريدة من نوعها في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد" (من كتاب الباحث "علي القيم" في كتابه "الأبجدية الموسيقية"، دار إنانا للنشر، ضمن سلسلة دراسات أثرية).

في الجهة الداخلية للبوق رُسمت أميرة أوغاريتية عارية، وهي ترقص ممسكة بنهديها تاركة شعرها الطويل منسدلاً على كتفيها، وبما يذكر بالصورة المعروفة لعشتار أو لعناة أو لعشيرة (كلها أسماء واحدة لإلهة واحدة)، وتذكر كذلك برسوم مشابهة لآلهات الخصب المشرقيات في كل المنطقة.

من الواضح أن للبوق حضوره المركزي في الشعائر اليومية للمدينة، فقد كان وسيلة النداء المستخدمة للاجتماعات العامة، أو لإعلان النفير، أو لاستدعاء الجنود إلى الحرب، وهذه قليلة فأوغاريت لم تكن بلداً ذا نزعة توسعية بل مدينة تجارية تسعى للحفاظ على موقعها التجاري ومنزلتها في عالم تتنازعه وقتها ثلاث إمبراطوريات كبرى (المصرية، الآشورية، الحورية).

إلى جانب هذا البوق وجدت ورشة متكاملة لصنع العاجيات في القصر الملكي، ومما وجد دمية لعازفة موسيقية من العاج، علماً أن العاجيات كانت تستورد للمدينة من بقاع بعيدة ومصر أولها، كذلك من جهات أفغانستان التي كانت مركزاً تجارياً مهماً لاستيراد هذه المواد ومواد أخرى مثل الأحجار الكريمة.

من التماثيل العاجية، تمثال صغير من العاج يمثل موسيقية جالسة القرفصاء، تحمل في يديها آلتها الموسيقية المؤلفة من قرصين معدنيين كبيرين، وهو اليوم في متحف دمشق الوطني، وتمثل هذه الموسيقية نموذجاً فريداً لآلة موسيقية هي من عائلة الصنوج، ويعتقد أن القرصين مصنوعين من النحاس الذي كان متوافراً في "أوغاريت"، أما النغمات التي تصدرها فهي أقرب إلى النغمات الإيقاعية المرافقة للجوقات الموسيقية، وتستخدم عند الفواصل الأوركسترالية ضمن الجوقات الكبيرة المخصصة لأداء الأناشيد، كما عثر على "جلجل" برونزي في المقبرة الملكية، له شكل رأس ماعز، وهو شكل من قلب البيئة المحلية التي عرفت تربية هذا النوع من الحيوانات لأوقات طويلة.

إضافة إلى العديد من الآلات الموسيقية الإيقاعية مثل الصنوج (من المعدن، النحاس والبرونز)، والوترية مثل العود والقيثارات أو الكنارات وهي أكثرها استخداماً في كل المشرق العربي، وكانت تصنع من الخشب وتغلف بالذهب والفضة، وتصنع أوتارها من أمعاء الحيوانات، على أن تجرى لها معالجات لحمايتها مثل تنقيعها في الزيت المقدس لوقت معين، ودهنها بالقار الذي كان يأتي من جنوبي العراق، و«الكنارة» عبارة عن مستطيل خشبي فيه علبة رنين في الأسفل، وتشتمل على سبعة أوتار. وهناك أنواع منها لها أحد عشر وتراً وأخرى لها خمسة عشر وتراً.


ماهي الأدوات الموسيقية المذكورة في "نصوص أوغاريت"؟

ذكر العديد من الآلات الموسيقية في نصوص "أوغاريت"، سواء تلك التي عثر عليها في القصر الملكي، أو في مكتبة "ربعانو"، أو في مكتبتي الخندق الجنوبي، وقد وردت بأسماء متشابهة مع تلك التي عثر عليها في المنطقة الرافدية، ومرة أخرى، تتضح الوحدة الحضارية لهذه المنطقة وصولاً إلى مصر القريبة.

على رأس هذه الأسماء آلة الكنارة أو القيثارة، وقد وردت بلفظها "كنر" وتكتب بالحرف المسماري، والاسم نفسه موجود في كل اللهجات التي عرفتها المنطقة، فهي في السومرية (كنر) وفي البابلية والأكادية (كنروم) أو (كانارو)، وهي من الآلات التي كان لها حجوم مختلفة وأوتار أيضاً متعددة، وأبرزها كما أشرنا من قبل كان كنارة "أور"، إلا أن لأوغاريت كنارتها الخاصة، حيث أنها احتلت موقعاً مقدساً في تلك الحضارة، وذكرت مرتين، أولاهما في قوائم القصر الملكية (KTU 1. 47: 32; KTU 1. 118: 31) ، ومرة ثانية في رقيم نذري مخصص للإله بعل، كما أن بعض الدراسات الغربية تعتبر الكنارة ممثلةً لأحد الوسطاء الإلهيين أو ما دعي في تلك الأدبيات "أرباباً"، وهي في الأرجح من آلهة الصف الثاني غير الرئيسي، أي تلك التي لا تقام لها طقوس تعبدية (وسنفرد للكنارة مقالاً خاصاً).

ثاني هذه الأدوات "الناي"، ويلفظ "تلب" tlb، وهي من الأدوات الشهيرة والمستخدمة جداً في المدينة، وفي عموم الشرق، فهو مثلاً من لوازم "دموزي" التي تحطمها الشياطين حين أمسكوا به لإنزاله إلى العالم السفلي:

"هدروا الحليب من المخضّات السبع

حطموا ناي القصب الذي

كان ينفخ فيه الراعي"       

أما العود فيلفظ "عُد" أو "أد"، باعتبار الأوغاريتية لا تحتوي حروفاً صوتية، ويرد العود كآلة موسيقية ترافق طقس تلقيم الكرمة في أوغاريت، فالتقليم كما يقول الباحث "قاسم الشواف" من الطقوس المهمة التي تعني التخلص من سلطة إله الجفاف والقحط (موت)، ومساعدة الكرمة على التجدد والنمو، يقول نص التقليم:

"موت المخرّب يجلس على العرش

ممسكاً بيده صولجان القحط

ممسكاً بيده صولجان الترمّل

فليقّلمه مقلمو الكرمة

وليطح بكرمته كهذه الدالية

وليردد ذلك سبع مرات على العود"   

         

كذلك هناك الطبلة وتلفظ (طب)، ومن الواضح اشتقاق الاسم من الصوت الذي تصدره الآلة، ولها أنواع عديدة مختلفة الحجوم ترد في النصوص بأسماء مختلفة، فقد كان هناك صغير الحجم منها (سْيم وتيجي)، وهناك الكبيرة المقدسة (ألالاّ)، وقد استعملت هذه في الطقوس الشعائرية في مختلف بلاد المشرق العربي، وفي بابل استخدمت لنوع من علاج المرضى، كما يذكر ذلك "جيمس فريز" وآخرون.

تتواجد هذه الآلات (الطبلية) عادة في النصوص إلى جانب لفظة أخرى هي (تشر) أو (شرم) وتكتب s(h)rm وهذه تعني المغنون أو المغني والمطرب، ويرى البعض أنها تعني الإنشاد بشكل خاص وتقرأ (أنا أشر) بتسكين الحرفين، ومن المرجح بالتالي أن لهذه الآلة حضورها أيضاً في الطقوس الشعائرية الأوغاريتية، يستدل على ذلك ورودها في المقطع (KTU 1.3: I:18-22) من ملحمة "بعل"، حيث تبدو جزءاً ضرورياً في سياق تثبيت سلطة "بعل" الممنوحة له من قبل الإله الأعلى "إيل" (يمكن قراءة الملحمة كاملة في عدة كتب، منها كتاب "أناشيد البعل، قراءة جديدة في أساطير أوغاريت).

كذلك وردت في النصوص كلمة تدل على الناي والطبلة اليدوية الصغيرة معاً، ويستدل البعض على أنهما كانا يستخدمان سوية للتضرع إلى الآلهة في طقوس الحزن، ويبدو أن هذا الكلام ممكناً في حالات الاحتفالات الشعائرية الكبرى المرتبطة تحديداً بطقس موت الإله (بعل) المماثل تقريباً لطقس الإله (دموزي) الرافدي.

مما ورد أيضاً، آلات إيقاعية مثل الصنوج، وترد باسمها القديم المستخدم أحياناً للآن وهو (الصينيتي)، يقول خام "بعل" في ملحمة بعل:

"بدأ بالارتجال والغناء

والصنوجُ بيدِ نَـعِمْ

البطل ذو الصوت الشجي

يغني على شرف بعل" (من الملحمة).

سنكمل في التالي حديثاً مفرداً لنوطة أوغاريت، وننشر كلمات الترنيمة بترجمة جديدة تعتمد النص الأوغاريتي مع مقابلاته الحديثة.


المصادر:

  1. أساطير من أوغاريت، قاسم الشواف، دار طلاس، دمشق، 1999.

  2. أناشيد البعل، قراءة جديدة للأساطير الأوغاريتية، د. حسني حداد، د. سليم مجاعص، دار أمواج، بيروت، 1995.

  3. مجلة الحياة الموسيقية، العدد الأول، بشير زهدي، ص 18