"عمر البطش".. ألحان لـ"سيد درويش" من دون خانات

"عمر البطش".. ألحان لـ"سيد درويش" من دون خانات

إسماعيل النجم

السبت 07 حزيران 2014

يمثل المدرسة "السورية" في تلحين الموشحات الحلبية، فلحن 134 موشحاً من مختلف النغمات والأوزان، واجتهد في تطوير رقص "السماح"، فخلصه من الرتابة وأبدع له وصلات مشبكة بديعة...

مدونة وطن "eSyria" التقت بتاريخ 2 حزيران 2014، أستاذ المعهد العالي للموسيقا "نزيه أسعد"، وعن الفنان "عمر البطش" يقول: «ابتكر وصلات مشبكة لرقص "السماح" من مقامات "الراست"، و"الحجاز"، و"البيات" على أوزان المحجر والمربع والمدور والمخمس والسماعي الثقيل والدرج، ولم يسبق لأحد من أعلام هذا النوع من الرقص أن ابتكر مثل هذه الوصلات البديعة، لتظل تذكاراً خالداً لفنونه، أما قوته الفنية في التلحين، فتلك موهبة عزّ نظيرها، ويكفي للاستدلال على عبقريته أن الفنان المصري المشهور "سيد درويش" كان قد لحن موشحاته الخالدة دون خانات، فصاغ "البطش" خانات مناسبة للأصل».

ويضيف: «في سنة 1945م أصيب "البطش" بمرض في عينيه، وعز عليه أن يرى نفسه كالضرير فجادت مواهبه بأروع موشح لحنه بهذه المناسبة وهو من نغمة "النهوند"، ويتألف من أوزان ثلاثة، المقطع الأول من وزن "النوخت" وجاء فيه: (قلت لما غاب عني.. نور مرآك المصون.. شفني والله سقم.. فيه قد ذقت المنون)».

أما الباحث والكاتب المسرحي "عبد الفتاح قلعه جي" فيقول: «ساهم "عمر البطش" في إحياء التراث والمحافظة عليه من خلال تلحينه لعشرات الموشحات التي أغنى بها المكتبة الموسيقية العربية، حيث بلغ إنتاجه الفني أكثر من 134 موشحاً، ومن مختلف النغمات والأوزان، وقد تمّ تدوين 80 موشحاً منها في المعهد الموسيقي والباقي حفظته الفرق الموسيقية».

ويتابع: «يعتبر ممّن أولوا التراث الموسيقيفي "سورية" اهتماماً بالغاً، وقد لحن العديد من الموشحات من أشهرها: ("مرّ عجباً ويا معير الغصن قدا أهيفا" – "وبات يدري ورد قلبي رشاً أحور") ولاقت رقصة السماح الاهتمام البالغ منه، حيث عمل على تطويرها إلى أنّ تفوق في ذلك على أساتذته».

ويشير الباحث "صميم الشريف" في كتابه "الموسيقا في سورية" إليه بالقول: «ولد الفنان "عمر إبراهيم البطش" في "حلب" عام 1885م من أسرة ذات جذور فنية، ولكنه لم يزاول الفن إلا متأخراً، فقد امتهن منذ حداثته حرفة البناء على أيدي أفراد من أسرته حتى برع فيها، وكان يتردد خلال أوقات فراغه على زوايا الطرق الصوفية وبخاصة الشاذلية فيشارك في حلقات أذكارها، دون أن يدري أن صوته الجميل قد لفت إليه أنظار بعض الفنانين الذين يشاركون في هذه الحلقات أمثال: "صالح الجذبة"، و"أحمد عقيل"، و"أحمد الشعار"، وغيرهم، فأخذ عنهم فن أداء الموشحات، ثم علوم المقامات والأوزان والضروب، إلى أن أتقن ذلك، ثم مال إلى رقص السماح، فتدرب على إيقاعاته ورقصه حتى برع فيه براعة لا توصف، وأثناء ذلك تعلم العزف على العود وعلى عدد من الآلات الأخرى، ولكنه آثر الضرب على آلات الإيقاع المختلفة مثل "الدف" و"الدربكة"».

ويضيف: «في الخامسة والعشرين من عمره ترك مهنة البناء، وعمل كضابط إيقاع في عدد من الفرق الموسيقية، بعد ذلك امتهن التجارة،وفي أوائل الثلاثينيات هجر الفن وازداد تديناً، وأخذ يلازم حلقات الذكر في الزوايا والتكايا، ويقوم بتدريس فن الموشحات ورقص السماح في المدارس الخاصة، واجتمع مع الموسيقار المصري "محمد عبد الوهاب" مرتين في "حلب"، في إحداهما كان معه الفنان الحلبي "علي الدرويش" ونخبة مختارة من الفنانين الحلبيين المشهورين، فقال "عبد الوهاب" إنه لم يسمع موشحات من نغمة "السيكاه" الأصلية سليمة من نغمات "الحزام"، فقال "البطش": سأسمعك إياها غداً، ولما خرج الفنانون دخل الشيخ "علي الدرويش" معه في نقاش فني حاد ولامه على تسرعه وقال له: ليس لدينا موشحات إلا من نغمة "الحزام"، فأجاب "البطش" والبسمة العريضة لا تفارق شفتيه: أليس من العار أن يزور "محمد عبد الوهاب" "حلب"، وهي سؤرة الفن في الشرق ونكون في موقف العاجز أمامه في هذا الميدان، غداً ستسمع وصلة من نغمة "السيكاه" الأصلية الخالية من نغمات "الحزام"، وبالفعل سهر ليلته وجادت قريحة هذا الفنان الجبار بفيض من الإلهام الفني فلحنها، وفي اليوم الثاني أسمع "عبد الوهاب" موشح "يا معير الغصن"، والثاني "رمى قلبي رشا أحور"، والثالث موشح سماعي دارج، فكان معجباً بمتانة ألحانه وبراعة إلقائه».

ويبين "الشريف": «يدين فن رقص السماح في تطويره وتقديمه على الصورة الزاهية التي نراها عليه اليوم لـ"عمر البطش"، إذ عمل طوال حياته في هذا الفن، ومن خلال حبه وعشقهله عمل على تخليصه من الرتابة التي عرفت به، ومن الشوائب التي طرأت عليه بمرور الزمن، فغدت حركات الأيدي والأرجل في هذا النوع من الرقص تنطبق مع إيقاعات الموشحات، فيختص كل إيقاع إما بحركات الأيدي وإما بحركات الأرجل أو بالاثنتين معاً».

 

توفي الشيخ "عمر البطش" في الحادي عشر من كانون الأول عام 1950م عن عمر يناهز الخامسة والستين، وبوفاته أقفرت الساحة الفنية من الفنانين الأعلام الذين وهبوا حياتهم للموسيقا التراثية بمختلف أنواعها وضروبها.