تعد مدينة "حلب" من أغنى المدن العربية والإسلامية بالجوامع والمساجد التي تعود إلى مختلف العهود الإسلامية ومن هذه الجوامع القديمة "جامع العادلية".

بتاريخ 29/11/2011 أجرى موقع eAleppo لقاءات مع بعض الموطنين حول هذا الجامع فقال السيد "هيثم خليل" من حي "السكري" وقد التقينا به في الموقع: «إحدى الميزات الرئيسية لمدينة "حلب" هو انتشار مئات الجوامع في أرجائها فمنها الحديثة كالتوحيد و"الرحمن" و"الرضوان" وغيرها وكذلك القديمة والموجودة على وجه الخصوص داخل المدينة القديمة كهذا الجامع "جامع العادلية".

عين والياً على "حلب" ثم على مصر وعزل سنة 962 هجرية 1554م وعاد إلى الآستانة وتوفي بعد مدة قليلة

للجامع منارة طويلة وأنيقة منتهية بنهاية مثلثة الشكل ويزين نوافذها داخل وخارج القبلية القاشاني الجميل، الجامع يفتح أبوابه للمصلين منذ أكثر من خمسة قرون وحتى يومنا هذا في شكل من أشكال التواصل الروحاني بين ماضي "حلب" المجيد وحاضرها الجميل، أكثر من خمسة قرون وأصوات المصلين تتعالى إلى السماء طالبة المحبة والأخوة والخير».

المئذنة

الأستاذ "حسن بيضة" الباحث في تراث "حلب" يقول: «للجامع أعمدة حجرية في ساحته العامة وقد أخذت رقاب بعضها ببعض وهي متماسكة لتحمل هذا البناء الضخم، زخارف تعلو الشبابيك التي توجت المحراب مع الألوان التي يغلب عليها المرمر الأبيض هذه الألوان التي تتجانس مع مرمر المنبر وكأنهما أخوان تماسكا ليؤديا فرائض العبادة تحت القبة العالية.

في زاوية من زواياه يحوي الجامع شمعدانان كبيران من النحاس القديم وقد تركا ذكرى الأيام الخوالي قبل أن تصل الكهرباء إلى "حلب" فهما رمز للنور القديم.

من داخل الجامع

في الجامع أيضاً غرف صغيرة كانت مأوى للمتعبدين وأبناء السبيل وللذين هجروا الحياة الدنيا طلباً للعلم فكانت الأرزاق تأتي إليهم من أهل الخير في مدينة "حلب" لذلك سكن في تلك الزوايا صوفيون أتقياء وغرباء فوجدوا فيها المأمن الساكن والملجأ الحنون».

ويختم حديثه بالقول: «الفن والدين اتحّدا في هذا البناء وغيره وفيه أقيمت العلاقة الصحيحة بين الفن الإسلامي والدين الإسلامي وهي الطريقة المثلى لفهم هذا الفن».

جانب من الجامع

الأستاذ "عامر رشيد مبيض" مؤرخ "حلب" المعاصر يقول عن الجامع وتاريخه: «يقع الجامع في "حي السفاحية" قريباً من "المدرسة السفاحية" على التلة التي كانت تعرف بتل عائشة وقد عرف بجامع العادلية لأنه بني بجوار "دار العدل" /"دار الحكومة"/ ويعد من أشهر جوامع مدينة "حلب" بجماله وفخامته ويبلغ ارتفاع مئذنته 47 متراً».

ويضيف: «قال "كامل الغزي" في كتابه الشهير "نهر الذهب" -الجزء 2 الصفحة 89 بأنّ بانيه هو "محمد باشا بن دوقه كين" وذلك في حدود العام 963 هجرية و1555 ميلادية.

أما أنا فأقول بأنّ والي "حلب" "محمد باشا دوقه كين" عُزل عن ولاية "حلب" أواخر العام 959 هجرية 1551 ميلادية أو في العام 960 هجرية 1552 ميلادية، و"جامع العادلية" بناه "محمد باشا دوقه كين" خلال فترة ولايته لحلب في الأعوام 957 -959 هجرية أي 1550 -1551م وهذه أدلتي:

حتى العام 959 هجرية 1551م كان "محمد باشا دوقه كين" في "حلب" وهي سنة وفاة والدته السلطانة "كوهر ملكشاه" بنت "عائشة السلطانية" بنت السلطان "بايزيد خان" وذلك حسب "ابن الحنبلي" في كتابه "در الحبب" ج2 ص 69 حيث قال: «اشترى لها بيتاً بالقرب من "السفاحية" فدفنت فيه وكانت وفاتها في العام 959 هجرية 1551م».

ومما يؤكد أنّ بناء الجامع كان في الأعوام 957 -959 هجرية 1550 -1551م ما قاله "ابن الحنبلي": «عمّر سوقاً عظيماً أدخل فيه سوقاً كان يُعرف بسوق الزردكاشية وأدخل فيه بعض مساجد وعمّر "خان الفرابين" ثم عُزل وصار باشا مصر».

ومما يؤكد عزله في العام 959 هجرية أو 960 هجرية 1552م ما قاله "ابن الحنبلي": «في العام 960 هجرية 1552م عين السلطان "سليمان القانوني" "بيربك بن خليل بك الرمضاني" والياً على "حلب" وفي سنة961 هجرية 1553م عين "قباد باشا" والياً على "حلب" حتى سنة 964 هجرية 1556م حيث عين "فرهاد باشا"».

إنّ "محمد باشا دوقه كين" لم يكن في "حلب" في السنوات 960 -962 هجرية 1552 -1556م ويقول الشيخ "الطباخ" في "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء" نقلاً عن كتاب "السالنامة": «عين والياً على "حلب" ثم على مصر وعزل سنة 962 هجرية 1554م وعاد إلى الآستانة وتوفي بعد مدة قليلة».

إنّ هذه الأدلة تؤكد بأن "جامع العادلية" بني في الأعوام 957 -959 هجرية أي 1550 -1551م».

وحول مهندس هذا الصرح المعماري يقول: «إنّ بناء "جامع العادلية" في الأعوام التي ذكرتها تتزامن مع بناء جامع "خسرو باشا" في العام 951 هجرية 1544م وهذا ما يجعلني أرجّح بأنّ مهندس الجامعين "العادلية" و"الخسروية" واحد وهو "سنان باشا"».

وأخيراً يقول: «إنّ تنفيذ "جامع العادلية" متقن وأنيق بمئذنته ذات الأبعاد الجميلة مع بعض عناصر الزخرفة الحلبية كالرماح المرصّعة بأحجار سوداء، وبالنسبة لصحن الجامع فإنه يقتصر على ثلاثة جوانب الشمالي والشرقي والغربي بواسطة جدران المنتفعات المشتركة القليلة الدقة التي هي جزء من الوقف والتي من الممكن أن يكون بعضها أقدم من الجامع ومن ناحية أخرى فإنّ الجامع ليس مدمجاً بشكل جيد مع المجموع الوظيفي كما هو الحال في "جامع الخسروية"».