«هلي يا أهل المراتب و"الدواوين"/ وعلى قلوب العدى علّوَ دواوين/ سألت الدار ويـن أهل "الدواوين"/غـدو يا حسـرتي حـدْرَ التـراب»، من يقرأ هذه الأبيات الجميلة للشاعر الكبير "عبد الله الفاضل" يستشف منها أهمية ودلالة "الدواوين" عند سكان منطقة الجزيرة والفرات، وخصوصاَ قبل أن تزحف العولمة لتغطي أغلب مفردات الهوية المحلية للناس في هذه المنطقة.

فقد كانت "الدواوين" منتديات أو صالونات اجتماعية ثقافية بامتياز، تدار بأرقى الطرق و"الديوان" لغةً هو: مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ، والكِتابُ يُكْتَبُ فيه أهلُ الجَيْشِ وأهْلُ العَطِيَّةِ، وأوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ، رضي الله تعالى عنه، يجمع على: دَواوِينُ ودَياوِينُ. (القاموس المحيط، للفيروز أبادي).

وفي الميادين فإن أقدم "الدواوين" هي ديوان "ضويحي الغبين" و"وكاع البورسان" و"محمد الخضر" و"عمر المشوح" و"أحمد البصري" و"سيد إبراهيم الشعيبي"

ولمعرفة المزيد حول "الدواوين"، ودورها اجتماعي التقينا بالباحث "عامر النجم" والذي أعطانا هذه الفكرة العامة التي تعرّف ب"الدواوين" بالقول: «"الديوان" هو مكان الاجتماع لفصل الدعاوي والنظر فيها، والنظر في أمور الدولة، وفي كل وزارة ديوان يجمع موظفيها.

ديوان مرشد حفيد الثائر الكبير حمود الحمادي

و"الديوان" كما يعرّفه الباحث عبد القادر عياش": مجمع القوم وندوتهم أو ناديهم، ودواوين "الديريين" بهذا المعنى يجتمع فيها الناس للسمر، ويسمى السًّمر عندنا "التعليلة" جمعها "تعاليل"، وصار هذا اللفظ يطلق على "الديوان"، و"تعلل" بمعنى سهر مع جماعته، غير أن المشتهر هو لفظة "الديوان"».

وحول من يدير هذه المجالس تحدث النجم قائلاً: «كان لكل عشيرة "ديوان" أو أكثر يفتحه الوجيه أو زعيم العشيرة لحل معضلاتها ومشاكلها.

العارفة الشيخ فرهود الهيال

يتألف "الديوان" من كراسي خشبية تغطى بالوسائد والسجاد، والأغنياء جهزوا غرف استقبال عصرية وبنوا "مجمراً" يدفئ "الديوان" والبعض يستعمل مدفأة الحطب أو المازوت، والبعض الآخر يضع الموقد وهو حفرة في وسط الغرفة أو في صدرها يوقد بالحطب وحوله دلال القهوة "أباريق القهوة" وهي مجموعتان إما ستة أو اثنتا عشرة دلة، ويقدم في "الديوان" النارجيلة "الأركيلة" وسجائر التبغ، وبعض أصحاب "الدواوين" كانوا يولمون لزوارهم الولائم، وبذبحون لهم الذبائح وكان يرد "الديوان" الموظفون والشعراء وأصحاب "العتابا" فكانت الصالونات الأدبية في زمانها، وإن تطور الحياة الاجتماعية ووجود دور السينما والمقاهي لعب دوراً رئيسياً في عزوف الناس عن "الديوان" في القرن الماضي، وكذلك موت أغلب أصحاب "الدواوين" وعدم استمرارية الأبناء فيما خطه الآباء.

أغلقت معظم "الدواوين" في "دير الزور" خلال العقود الأخيرة بعد أن كانت تعتبر مدينة "الدواوين"».

المختار سعود المداد

أما أسماء "الدواوين" التي كانت مفتوحة في "دير الزور" فقد ذكرها "النجم" بالقول: «كانت "الدواوين" تعرف بأسماء أصحابها، ومن أصحاب "الدواوين" في مدينتنا السادة: "فرحان الفياض"، "أحمد بك العبد العزيز"، "عبود الحسن"، "منديل الأسعد"، "حسن المرعي"، "شباط المحيمد"، "موسى الحاج"، "إبراهيم الخلف"، "يوسف راجي الدليمي"، "عبد الرحمن المرعي"، "حاج معجون المدلج"، "موسى المحيمد"، "هادي الهدهد"، "كداوي النجم"، "حسن الطه"، المفتي "محمد الملا مصطفى"، "طه الملا فتيح"، "ويس الكرماني"، "محيمد المشرف"، "شلاش المنديل"، "محمد الحطاب"، "محمد العليوي"، "عبد الله الحطاب"، "حميدي السعيد"، "محمد العاروض"، "محمد النويصر"، "عيد السخني"، "محمد العياش"، "محمد سيد حوكان"، "عياش الحاج"، "حسن المحمد"، "حسن المشهور"، "فنوش العبود"، "عكلة الخليفة"، "بشير العياش"، "جاسم العلوني"، "صالح الفرحان الفياض" وهو مفتوح إلى يومنا هذا، "علي السيد"، "أحمد الجنيد"، "صالح الحمود"، "خلوف العبد الحميد"، "عبد العزيز بشار"، "سليمان الجاسم العاشور".

وفي مدينة "البوكمال" دواوين: منها ديوان "عجيل الجاسم"، "حامد السلمان"، "برغوث الجاسم"، "عبد الهادي الزرزور"، "رشيد توفيق الداوود"، "سيد توفيق الداوود"».

كما يعرف الباحث "عمر صليبي" "الديوان" بأنه: «مقر لاجتماع الناس لفض المنازعات والضيافة والسمر والمناقشات الفكرية والأدبية التي كانت تبدأ منذ العصر، وتستمر حتى ما بعد صلاة العشاء، وكان "الديوان" على أنواع منها ما هو لقضاء الوقت، ومنه لتدارس الواقع الاجتماعي والمناقشات الفكرية وفي كلتا الحالين كانت القهوة تقدم فيه للضيوف، أما ديوان الضيافة فيقدم فيه الطعام، ويؤمن النوم للغرباء».

كما يذكر "الصليبي" أسماء "الدواوين" في الميادين: «وفي الميادين فإن أقدم "الدواوين" هي ديوان "ضويحي الغبين" و"وكاع البورسان" و"محمد الخضر" و"عمر المشوح" و"أحمد البصري" و"سيد إبراهيم الشعيبي"».

وعن دواوين البادية والريف، فإن لكل شيخ عشيرة ومختار قرية ديوان خاص به، ولكن ما اشتهر منها في الماضي، يذكرها "الصليبي" بالقول: «أما في الريف والبادية فأصعب من أن تحصى ونذكر منها ديوان الشيخ "جدعان الهفل"، و"مشرف الدندل" و"صياح الجراح" و"غرب المحمد" و"مسلط باشا" و"مشعل الجربا" و"مجحم بن مهيد" و"ابن غبين" و"ابن كعيشيش" و"أبو الهيال" و"هويدي الشلاش العلي المشلب" و"محمد فرج المحمد" و"راغب البشير" و"عبد الله شيخ الجيلات"».

وقد يكون لبعض "الدواوين" دور تخصصي، "كديوان العارفة" و"العارفة" قاض شعبي يحكم بالعرف المستمد من التشريع الإسلامي في ريفنا، ولتوضيح هذه الفكرة التقينا الشيخ "فرهود الهيال" وهو "عارفة" ذائع الصيت في كل ريف "دير الزور" فقال: «يعتبر ديوان العارفة في منطقة الجزيرة والفرات بمثابة مجمع قضائي يحتكم إليه الناس، لذا فديوان العارفة له خصوصية عن غيره من "الدواوين" فهو بالدرجة الأولى مكان لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر سواء بين الأفراد أو الجماعات المختلفة فيما بينها».

كما يقوم "الديوان" بدور الفندق، إذ يستضيف صاحب "الديوان" الغرباء الوافدين للقرية للنوم والراحة فيه، هذا ما وضحه لنا المختار "سعود المداد" مختار قرية الطوب بقوله: «إن "الدواوين" عدا كونها أماكن يلتقي فيه أفراد العشيرة، للتسامر أو للتشاور في حل قضاياهم، وفض خلافاتهم، هي تستخدم كنزل للغرباء بعد أن ينفض الأهالي من "الديوان"، يترك الضيف ليخلد للراحة والنوم في "الديوان"، كأن يأتي للقرية معلم وافد من منطقة بعيدة، أو أحد أصحاب المهن الذي يأتي لأيام قليلة بغرض العمل الموسمي، بل إن الأمر لا يقف عند المنامة، إذ انه من البديهي أن يقدم أهل "الديوان" الطعام والشراب لضيوفهم».

وتعتبر "الدواوين" صالونات أدبية بامتياز إذ تعزف فيها الموسيقا، ويقال فيها الشعر، كما يوضحها المرحوم الباحث عبد القادر عياش بقوله: «كان الشعراء العاميون من البلد أو من نجد أو من غيرها، يقصدون أصحاب هذه "الدواوين"، وينشدونهم شعرهم في مدحهم بمصاحبة الربابة أو بغيرها.

ويستمع السمّار على شعر هؤلاء الذين ساعدوا على انتشار شعر وغناء العتابا والقصيد في "دير الزور"، وتتلمذ بعض الديريين على أيديهم، ورووا عنهم، فضلاً عما كان في "الدير" من روح شعرية ومن شعراء "ديريين".

فاق "الديريون" بعد ذلك غيرهم من الشعراء الغرباء، وصاروا ينظمون العتابا وينشدونها في بعض الدواوين، وعلى رأسهم "عبد الحسين الضامن" من فخذ "البو كسار" كان يتردد على ديوان "ويس الكرماني" وديوان "عياش الحاج"، لمع اسمه قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، وكان هذان يعطفان عليه ويتعهدانه بصلاتهما».

مصادر تم الرجوع إليها:

  • "القاموس المحيط، للفيروز أبادي".

  • من التراث الشعبي الفراتي، مختارات من أعمال الباحث "عبد القادر عياش"، الجزء الثاني، من منشورات وزارة الثقافة، دمشق 2007، ص70-71-72-73-74

  • تقاليد وعادات من الفرات، "عبد القادر عياش"، ص21 إلى 23.

  • لواء "دير الزور" في العصر "العثماني" اجتماعياً واقتصادياً، الباحث المرحوم "عمر صليبي"، الطبعة الأولى 1997، مطبعة دار العلم للملايين، ص 86.