عاد الطبيب "عبد الهادي طواشي" من غزة بعد أن شارك رفاقه في الوفد الطبي السوري الذي أرسلته نقابة الأطباء السوريين بالتعاون مع وزارة الهلال الأحمر العربي السوري، ليؤدي واجبه في إنقاذ المدنيين الذين كانوا تحت القصف في قطاع "غزة".
موقع eHama التقى الطبيب "عبد الهادي طواشي" بتاريخ 31/1/2009 في قرية "خطاب" شمالي غربي "حماة" /14/ كم،
بينما كنا نطبب قمنا بعمل جرد لأهم الأدوية الطبية وأدوات المعالجة التي تحتاجها المشافي في غزة، وتقدمنا بها إلى وزارة الصحة السورية والتي قامت بتجهيزها وإرسالها مع الوفد الجديد الذي غادر إلى غزة
حيث حدثنا عن تلك المبادرة، وكيف تمت: «المبادرة كانت شخصية منا، حيث ذهبت إلى فرع نقابة الأطباء في مدينة "حماة" وتقدمنا بطلبات تطوع في الأيام الأولى للاعتداء الإسرائيلي على "غزة"، ثم أعلنت النقابة بعد فترة عن فتح باب التطوع، فذهبت إلى النقابة وأكدت طلبي، بعد أيام قليلة جاءت الموافقة على أن أذهب أنا والطبيب "هيثم خطاب" من "طيبة الإمام" إلى "غزة"، وقبل أن نغادر أقام زملاؤنا في نقابة الأطباء حفل وداع لنا، بحضور من المحافظ، واستكملنا أوراقنا في "دمشق" حيث التقينا برئيس الوزراء ووزير الهلال الأحمر ومن ثم غادرنا إلى "مصر" للدخول إلى غزة عبر معبر رفح».
وعن المشاكل التي اعترضت طريقهم إلى غزة قال: «خلال أقامتنا في الفندق المصري كنّا مغيبين تماماً عما يحصل في غزة، فالفضائيات ومنها الجزيرة كانت مشفرة، وكل ما كنّا نشاهده هو القنوات المصرية التي كان لها موقف سلبي من المقاومة، طبعاً قبل الوصول إلى "غزة" كان هناك حوالي /5/ حواجز في سيناء، كنا نستجوب عند كل حاجز منها، وعند المعبر أخبرنا أحد الأشخاص بأن الأمور قد حسمت في غزة، وأن قادة المقاومة قد استشهدوا، وأن الدبابات الإسرائيلية متواجدة داخل مدينة غزة بالكامل، محاولاً بذلك أن يحبط من عزيمتنا، عندما دخلنا إلى "غزة" ما وجدناه كان معاكساً تماماً لما أخبرنا عنه عند المعبر».
أما الدوافع الذي خرج من أجلها الدكتور "عبد الهادي": «الدافع الإنساني بالدرجة الأولى، البنية الأخلاقية في مجتمعنا وما تربيت عليه، جعلني ألبي نداء الأطفال والأرامل الذين كنا نسمعهم ونراهم عبر شاشات الأخبار، كانوا يقولون "حسبنا الله على من لا يساعدنا"، شعرت أن لدي القدرة على المساعدة، وأني إن لم أساعد سأشعر بذنب لا يغتفر خاصة أن الفرصة سنحت لي، وكانت هذه الاستجابة هي في صميم جميع الأولويات الحياتية لدي».
وعلى الرغم من أن الفضائيات أوصلت إلى بيوتنا جزءاً كبيراً من الحدث ومن الحالات التي كانت تستقبلها المشافي في غزة، ولكن يبقى للحديث عن الحالات الطبية مع من كان في الميدان لون مختلف، يقول الطبيب "طواشي": «لم يكن هناك حالات ناجمة عن صدام مباشر مع العدو الإسرائيلي، الحالات جميعها التي كانت تأتي ناجمة عن القصف، قصف الطائرات، قصف البوارج الحربية، وقصف الدبابات، واغلب نتائج هذا القصف كانت حالات بتر للأطراف، أي أنه لم يكن هناك حالات بسيطة، بالإضافة إلى الحالات الإسعافية الكثيرة الناجمة عن حروق بالفوسفور الأبيض ومادة "Dime" وهي سلاح إرهابي جديد محرم دولياً؛ له شكل حبات الملح التي تعمل على التفاعل وإذابة جسم المريض، هذه الحبات لم تكن تظهر من خلال الصور الشعاعية، وكنا نفاجأ أن المصابين بهذه المادة يتعرضون في اليوم التالي لحالات نزيف داخلي شديدة، ومن ثم يستشهدون».
أما عن التعاضد الداخلي لدى أبناء الشعب، وكيف رآه.. يقول: «مجتمع "غزة" متماسك، ويقف خلف المقاومة يداً واحدة، بالرغم من بعض وسائل الإعلام حاولت أن ترسل رسائل إعلامية توضح فيها تراجع صفوف المقاومة، هناك نوع من التكاتف والصمود الواعي وغير الانفعالي، الناس كلها كانت خلف المقاومة، وهم يدركون تماماً أن لا خيار لهم سوى المقاومة، كانوا بالرغم من مآسيهم يرحبون بنا ويحاولون أن يكونوا مضيافين، عاملونا نحن الأطباء السوريين معاملة جيدة جداً، خاصة في ظل الانسجام بين الموقف الرسمي والشعبي السوري ودعمهما للمقاومة، فكانوا بذلك متأكدين أننا لم نأت هنا سوى لتطبيب الجرحى وليس لأي غرض آخر وهم يشعرون بالأمان عندما يعالجهم طبيب سوري».
وعن أكثر الحالات التي عاينها وأثرت في نفسه.. قال بألم وحسرة: «كانت حالة امرأة وابنتها قصفتها طائرة استكشاف إسرائيلية بصاروخ، مع العلم أن هذه الطائرات مهمتها رصد الأهداف الصغيرة وإصابتها بدقة، الفتاة الصغيرة استشهدت بعد أن وصلت إلينا متهتكة القدمين والحوض، أما الأم فقد بترت قدمها من فوق الفخذ».
ويجيبنا الدكتور "عبد الهادي" لدى سؤالنا عن المدة التي قضاها في غزة: «بقينا داخل قطاع غزة 8 أيام، ثلاثة منها كانت تحت القصف والباقي هي الفترة التي أعلنت فيها القوات الإسرائيلية وقف إطلاق النار، إلا أنها لم تلتزم به، العدوان كان مستمراً، ففي اليوم الذي غادرنا فيه مثلاً قصفت البوارج الحربية بعض المدنيين في منطقة الساحل».
عاد ابن قرية "خطاب" إلى بلده ليذهب أطباء غيره لإكمال المهمة، ولينالوا شرف تأدية واجبهم الوطني والإنساني تجاه أهلنا في "غزة" الجريحة المدمرة، ومع ذلك فدوره لم ينته فور عودته.. يقول الدكتور "عبد الهادي": «بينما كنا نطبب قمنا بعمل جرد لأهم الأدوية الطبية وأدوات المعالجة التي تحتاجها المشافي في غزة، وتقدمنا بها إلى وزارة الصحة السورية والتي قامت بتجهيزها وإرسالها مع الوفد الجديد الذي غادر إلى غزة».
* كلمة أخيرة:
«إسرائيل هي حربة الاستعمار على مرّ التاريخ، ولن ترضى من ناطق لغة الضاد إلا أن يكون ضحية سواء أكان ميتاً أو جاهلاً أو معاقاً، كما أن المقاومة على الصعيدين العلمي والعملي هي الرد الوحيد الذي لا ردة عنه، والذي يجب أن نربي أبناءنا عليه».
من الجدير بالذكر أن الدكتور "عبد الهادي طواشي" من مواليد "خطاب" في مدينة "حماة" عام /1968/، درس الطب البشري في جامعة "حلب"، واختص بعدها كطبيب طوارئ، ثم اختص مرة أخرى كطبيب جراحة عظمية.
