على الرغم من غزو العولمة لكل الميادين، ودخول التكنولوجيا في أدق تفاصيل الحياة، إلا أنه بقي منعزلاً عن هذا التطور، فلم تستطع الآلات أن تحل محله، فهو يرسم بأنامله الثراء على جسم النساء، ويقطع بيديه أغلى ما يملك البشر، تغنى بعمله الشعراء في وصف الجمال، ويتباهى الناس بما يصنع.

موقع eHasaskeh زار ورشة صناعة الذهب والتقى السيد "كرم جاك دلالة" 1969م وحدثنا عن مهنته قائلاً: «دخلت لأكتسب المهنة عام 1979م، عند المعلم "جاك نعوم" رئيس الجمعية الحرفية للصياغ، وكان وقتها غرام الذهب يساوي/ 17/ ل.س، وبعد فترة من الزمن انتقلت إلى ورشة المعلم "مروان ملكي"، وبعد أن أتقنت المهنة كونت لنفسي ورشة عمل صغيرة لكني لم أترك العمل مع معلمي، فغالباً كنت أعمل بعد انتهاء دوامي في الورشة، ويساعدني أخي "دافيد" في العمل، فقد شقينا طريقنا سويةً، ولم يكن لدينا ما نتكئ عليه، وفي عام 1986م اشتريت ماكينة سحب وعدة عمل، واقتصر العمل آنذاك على التصليحات، وفي عام 1990م ذهبت أنا وأخي لتأدية خدمة العلم، وفي عام 2007م، بدأت حياتي العملية بورشة عمل في سوق"الحسكة"، وكانت البدايات على قدر الحال، وكنت أستخدم الذهب عيار/14/ قيراط، اقتصر وقتها على ما يحمله الأطفال مثل/ عيون- أسنان- مصاحف- شكات ب.ب/».

أنا اليوم أصنع القطع الذهبية لمحافظات الجزيرة كاملةً، لكوني الوحيد الذي أمتهن صناعة القطعة البدوية في المنطقة، أما مستقبلاً فلا أستطيع التكهن لأن هذا العام بالتحديد، هو من أسوأ الأعوام على الإطلاق في تداول الذهب

ويضيف "كرم": «عندما تحسنت الأوضاع بدأت أعمل بعيار /21/ قيراط، في البداية كنت أقلد بعض التصاميم، إلا أنني كنت أضيف عليها، ولكن اليوم أصبح لي اسمي ومكانتي في السوق، فلا أنتج أية قطعة إلا من مخيلتي، ما عدا ما يطلبه الزبائن فأكون مجبراً لتلبية رغباتهم».

الدقة شعار العمل

أما عن طريقة صناعة الذهب فيقول "كرم": «إن أول خطوة نقوم بها هي تعيير الذهب، من /24-21/ قيراط، بإضافة النحاس إليه ومن ثم نقوم بعملية الصهر، وتتطلب هذه العملية ما يفوق /2000/ درجة مئوية، ويسكب الذهب في قوالب وينتقل إلى عملية /السحب أو الرق/، وبعد هذه المرحلة نقوم بقص القطعة حسب الموديل المطلوب مثل/ كسر جفت- خلاخيل أطفال- صناعة البلص- خواتم البلص- صناعة الأسماء بالنشر اليدوي/، وبعد صناعة القطعة نقوم بحرق القطعة لتصبح مرنة وتتجاوب معنا في العمل، ينتقل بعدها الذهب إلى روح الملح لينقى من الشوائب، ويغسل بالماء ليُذهب إثر روح الملح، وبعد أن تأخذ القطعة شكلها النهائي يدخل في مرحلة التلميع، حيث يضاف على فرشاة التلميع مادة /البونزا/ لإضفاء رونق على القطع المصنّعة، وآخر مرحلة يخضع لها الذهب هي النقش أو التجمير وهذه الأمور تعود لرغبة الصائغ».

ويضيف "كرم": «أقوم بإرسال الذهب إلى نقابة الصياغ بـ"حلب" لأخذ عينة وإخضاعها للمعايرة، وفي نهاية المطاف تقوم النقابة بوضع ختم المطابقة على الذهب ويصبح جاهزاً للبيع في الأسواق، وسبب الإرسال هو عدم وجود ختم إلا في نقابتي "دمشق" و "حلب"».

المراحل التي يمر بها الذهب عند التصنيع

*** كم ورشة يوجد في "الحسكة"؟

يقول "كرم": «لا يوجد ورشات بالمعنى الدقيق، لأن الموجودين يزاولون العمل إما بشكل بسيط، وإما من يقوم بإصلاح الذهب المكسور، وأستطيع القول أن المتواجدين في السوق حالياً، تخرجوا من ورشتي المتواضعة، فقد تعلم المهنة عندي ما يفوق عشرة شباب».

بيير يسكب الذهب المصهور

"بيير عبد المسيح بوسيك" يعمل في ورشة "كرم" يقول: «دخلت في هذه المهنة مذ كان عمري /15/ عاماً، آنذاك أحضرتني والدتي للعمل هنا، وبعد مزاولتي للمهنة أحببتها بشكل كبير، وأحسست أنها مستقبلي، وعليه قررت أن أتقنها فأنا أعمل قرابة 12 ساعة يومياً، وبعد ذلك أذهب لإتمام بعض الأعمال في المنزل، ويقول عنه معلمه أنه من أمهر الصناع الذين تعلموا في الورشة».

أما عن طموحه المستقبلي يقول "كرم": «أنا اليوم أصنع القطع الذهبية لمحافظات الجزيرة كاملةً، لكوني الوحيد الذي أمتهن صناعة القطعة البدوية في المنطقة، أما مستقبلاً فلا أستطيع التكهن لأن هذا العام بالتحديد، هو من أسوأ الأعوام على الإطلاق في تداول الذهب».