على الرغم من صغر مساحته إلا أن مسجد "أبو لبّادة" يعتبر من أشهر المساجد في مدينة "حمص"، نظراً لقدمه التاريخي من جهة، ولفرادة مئذنته المتميزة برأسها الذي يشبه اللبادة أو إصبع اليد.

يقع المسجد في الطرف الشرقي من حي "باب هود" من جهة حي "بني السباعي" في شارع "ابراهيم هنانو"، قرب ضريح الملك المجاهد "شيركوه بن محمد"، على مشارف أسواق "حمص" القديمة، "eSyria" زار المسجد بتاريخ "16/6/2011" للتعرف عليه أكثر، والتوقف على تاريخ بنائه وسبب تسميته، والتقى المهندس "نهاد سمعان" الباحث التاريخي والذي تحدث بالقول:

هناك رأي لا يدعمه تنقيب أو بحث علمي كأغلب آراء الباحثين في "تاريخ حمص"، رأي يفترض أن "معبد إله الشمس" الحمصي العظيم كان بالقرب من مكان جامع أبو لبادة، وما هذه الحجارة بالإضافة إلى بعض الحجارة الموجودة في الداخل إلا بعض من حجارته

«بنى مسجد "أبو لبادة" أحد أبناء الأسرة الأيوبية واسمه "خليل بهادر" في الفترة الأيوبية، في زمن حاكم "حمص" آنذاك "شيركوه بن محمد" الملقب "بالملك المجاهد"، أي إن البناء قد تم في الفترة بين 1185 و1240 ميلادية.

لقطة من باحة المسجد من الداخل

وقد سماه أهل "حمص" مسجد "أبو لبادة" نظراً لشكل رأس مئذنته التي تشبه اللبادة، والتي كان يلبسها الناس كقبعة منذ زمن ليس ببعيد، وسماه آخرون "جامع أبو إصبع" لأن هذا الرأس الغريب الفريد للمئذنة يشبه الإصبع».

وعن تاريخ بناء المسجد الحالي وسبب وجود بعض الحجارة الخارجية للبناء والمنقوش عليها كتابات يونانية قال المهندس "سمعان": «بناء المسجد بشكله الحالي يعود كما يبدو إلى الفترة العثمانية، والمرجَّح أنه قد أعيد بناؤه على عجل بعد أن تهدمت- أجزاؤه العلوية على الأقل- نتيجة أحد الزلازل التي ابتليت بها "حمص" بدلالة وجود بعض الحجارة المثبتة في جدرانه الخارجية والمنقوشة بكتابات يونانية.. هذه الحجارة التي يبدو أن البنائين قد استخدموها بعد انتشالها من أكوام الركام التي تتواجد بعد الزلازل دون النظر والاهتمام بما تحمله من كلمات ونقوش ذات معنى، فاستخدموها فقط لصلابتها واستوائها وقربها من المكان».

الباب الرئيس للمسجد وتظهر النقوش اليونانية أعلى ويسار الباب

وأضاف: «فبعد الزلزال يكون الناس في حالةٍ من الضعف المادي والفني يجعلهم يتجاوزون الكثير من قواعد البناء الفنية ويغضّون النظر عن القيَم الجمالية مقابل سرعة الانجاز وإتمام المهمة.. وهذه الحالة نراها مكررة في الكثير من أبنية "حمص"، وما الحجارة الموجودة أيضاً في جدران مسجد "أبي موسى الأشعري" وجامع "كعب الأحبار" وغيرهما من الأبنية إلا شاهد على هذه الحالة، حالة البناء على عجل بعد الزلازل.

فبعض هذه الحجارة كانت شواهدَ لقبور في الفترة البيزنطية، وبعضها كانت عتبات للأبواب في أبنية أخرى، أما هذه الحجرة المثبتة في جدار مسجد "أبو لبادة" موضوعنا فقد نقش عليها ما معناه "هذا بيت الرب" مما يدل على وجود كنيسة قديمة بالقرب من هذا المكان، وقد انفرطت حجارتها بفعل زلزال ما أو ما شابه».

وعن مئذنة مسجد "أبو لبادة" والزخارف الموجودة عليها قال المهندس "سمعان": «تعد مئذنة مسجد "أبو لبادة" من أقدم مآذن "حمص"، وكانت السبب في انتشار المثل الشعبي الحمصي الذي يقال عن أي شيء قديم: "هادا أقدم من جامع أبو لبادة".

وأضاف: «تضم المئذنة في أعلاها وتحت شرفتها مباشرة زخارف منحوتة بشكل فني بسيط، يشكل أحد فنون المقرنصات التي ظهرت في بداية العهد الأيوبي، ثم تطورت بعد ذلك حتى العهد المملوكي الذي كان عصر ازدهار فنون الزخرفة والمقرنصات على وجه الخصوص. وتظهر هذه المقرنصات في مئذنة "أبو لبادة" على شكل سقطات متناوبة مع حنيات ركنية».

وختم حديثه عن المسجد بالقول: «هناك رأي لا يدعمه تنقيب أو بحث علمي كأغلب آراء الباحثين في "تاريخ حمص"، رأي يفترض أن "معبد إله الشمس" الحمصي العظيم كان بالقرب من مكان جامع أبو لبادة، وما هذه الحجارة بالإضافة إلى بعض الحجارة الموجودة في الداخل إلا بعض من حجارته».