خلال القرون الثلاثة المنصرمة عرفت منطقة "الرقة"، وسائر مناطق الأرياف السورية أمراضاً كثيرة، انتشرت في مناطق شرق سورية، في فترة لم يكن هناك من مستشفيات أو مصحات، وكان الطب ما يزال متأخراً، وكان سكان منطقة "الرقة" يلجؤون إلى استعمال أدوية محلية معروفة توارثوا معرفتها عن الآباء والأجداد، وكان أغلبها مستخرجاً من النباتات البرية، والنباتات التي تنمو على ضفاف الأنهار، وكان ريف "الرقة" يعتمد على أطباء شعبيين في معالجة ومداواة جميع الأمراض، وغالباً ما كان هؤلاء من ذوي المعرفة والبراعة في معرفة الداء والدواء، ولا يخلو الأمر من وجود بعض من يدعون المعرفة والدراية في معالجة تلك الأمراض، ولكنهم في حقيقة الأمر دجالون ودجالات، وكان وجودهم يؤثر سلباً على المرضى، ويمنحهم أملاً كاذباً بالشفاء.

ولمعرفة تلك الأمراض وكيفية علاجها قديماً، التقينا الباحث "محمد العزو"، بتاريخ (31/10/2008)، الذي حدثنا عنها بقوله: «لم يكن العلم في ذلك الزمان الذي انتشرت فيه مجموعة من الأمراض في محافظة "الرقة" وريفها، قد انتشر بين العوام، وما زالت ذاكرة بعض كبار السن من هذه المحافظة تذكر جيداً كيف كانت معظم تلك الأمراض، تحصد أرواحاً كثيرة، بل إن بعضاً منها قد دخل في التقويم الرقي الشعبي، وكان المسيطر في علاجها آنذاك بعض الدجالين الذين كانوا يدعون التواصل مع عالم الجن، الذي يردون له أغلب الأمراض الصعبة في ذلك الزمان، والبعض الآخر كان يلجأ إلى أولياء الله الصالحين، حيث يقصدونهم لمناطق بعيدة بقصد الشفاء، فالشافي هو الله، والطبيب ليس سوى واسطة للشفاء، ومن تلك الأمراض التي كانت منتشرةً نذكر مرض (الرجفة)، وهو نوع من أنواع الحمى، وأعراضه رجفة قوية يصحبها برد شديد يرتعش له جسم الإنسان ارتعاشاً شديداً، حيث تصطك أسنان المريض بقوة، بحيث لا يستطيع الحراك أو الكلام، وفي هذه الحالة يقوم أهله بتدفئته بالأغطية الكثيفة، أو بتقريبه من موقد النار وإعطائه شراباً ساخناً، ويقول أطباء اليوم أنَ سبب هذا المرض كان على الأغلب يعود إلى عدة أمور كشرب المريض لماء عكر وغير صحي، أو نتيجة تعرضه للبرد الشديد، أو قد يكون لسعه بعوض المستنقعات، والبعض منهم قد تكون الرجفة قد أصابته نتيجةً لارتفاع سكر الدم، الذي لم يكن معروفاً آنذاك، ودواء هذه الرجفة كان ينحصر في تدفئة المريض كما باللحاف، وإعطائه شراباً ساخناً من مسحوق الحشائش البرية، كي يعرق جسده كثيراً وتخرج منه السموم، كما يقول الأطباء الشعبيون، وبمجرد ظهور حبيبات العرق على جبين المريض، يستبشر أهله خيراً بشفائه».

هلي عزَّ النزيل وعزّ من قال ثقال الروز ماهم حجر منقال

ويتابع "العزو" حديثه عن بعض أشهر تلك الأمراض بالقول: «ومن الأمراض التي كانت منتشرةً في تلك الفترة، نذكر مرض (اليرقان)، أو ما يسميه أهل "الرقة" (أبو صفار)، وأعراضه تظهر على الإنسان بشكل اصفرار في بياض عينيه ووجهه، ويقول القدماء من أهل "الرقة"، إنّ سببه المباشر كما كانوا يعتقدون هو الخوف الشديد على حين غرة، ويطلق عليها أهل المنطقة مفردة "الكحصة"، إذ يرتعب الإنسان فجأة نتيجة رؤية شيء مخيف، والبعض يقول أنّ السباحة في برك الماء التي تتكون بعد نزول المطر في أواخر الربيع، ربما تكون هي سبب الإصابة بهذا المرض، وكان أهل الريف، وأهل البادية يداوونه بنفس الطريقة، إذ يتمثلون قول أبي الطيب المتنبي عندما قال: وداوها بالتي كانت هي الداء، فيقومون بمباغتة المريض بشيء يخشاه، علَّه يشفى، وكانت هناك في مدينة "الرقة" حتى وقت قريب طرق أخرى لعلاج هذا المرض نذكر منها الكي بالخرقة، على أن تكون خرقة زرقاء اللون حصراً، ويسميها أهل "الرقة" (العطبة النيلية)، كون اللون الأزرق مشروط بشفاء المريض، وتتم عملية الكي هذه على النحو التالي: يضع المداوي طرف قطعة القماش في النار، وعندما تشب النار في القطعة يؤخذ المريض على حين غرة، وتُطرح القماشة المشتعلة على أسفل رقبة المريض الغافل من الخلف، عندها يرتعب من الألم المفاجئ، ويكون هذا الأمر سبباً في شفائه كما كانوا يقولون، أما ثاني تلك الطرق في معالجة المريض، كانت الكي بنبات (المثنان)، بحيث يقوم المداوي بكي المريض بعود النبات المحروق في غفلة منه، وفي أغلب مفاصل جسده، بقصد أن يرعبه لحصول الشفاء، وثالث تلك الطرق كانت مداواة المريض بإعطائه جرعات من حليب "الأتان"، وهي أنثى الحمار، والطريقة الرابعة تكون بكي ظهر المريض بقطعة حديد ساخنة، كأن تكون فأساً على سبيل المثال، بمرأى ومسمعٍ من المريض، لتحصل النتيجة ذاتها التي كان يعتقد بأنها تشفي المريض، ألا وهي الرعب، وهناك من يقول أنّ المداوين قد استعملوا عدة طرق أخرى، منها وضع قطرة في أنف المريض مأخوذة من نبات "المُرير"، وهو نبات بري على شكل الشمَّام، لكن مرارته عالية جداً».

أعشاب طبية بقصد العلاج تباع عند العطارين

وعن ثالث أشهر هذه الأمراض يتابع "العزو": «إنه مرض (الجدري)، وهو مرض قديم عانت منه البشرية معاناة كبيرة، وكانت وجوه الناس الذين أصابهم هذا المرض محفورة ومشوهة، وكان أحياناً يطمس عيون المصابين به، ويقضي على المئات منهم بالموت، وقبل وجود لقاح الجدري، كان أهل البادية والجزيرة يداوون مرضى الجدري بوسائل بسيطة من قبل مداوين شعبيين، مثل الماء المغلي الذي يوضع في موضع لا يدخل إليه الهواء، دون أن يعيروا أي اهتمام للعدوى التي من المكن أن تصيب من يتصل بالمريض، والمرض الآخر الذي كان شديد الانتشار هو مرض (الرمـد)، الذي كان يكثر في المناطق المغبرة، وتعتبر منطقة "الرقة" بالإضافة لبقية ديار الجزيرة السورية العليا، من المناطق التي تكثر فيها الرياح الجنوبية الحاملة للأتربة والرمال، كما أنّ الحرارة الشديدة في الصيف تساعد على انتشار هذا المرض، وكانت الأدوية التي يستعملها المداوون، لا تتجاوز بعضاً من أنواع القطرات التي يستخرجونها من الحيوانات الزاحفة، وبعض الضمادات من ورق الشجر، وبعض الناس كانوا يذهبون إلى شيخ القرية ليكتب لهم تميمة، أو رقية، كما انتشرت في هذه المنطقة بحكم تكوينها الصحراوي، معرفة واسعة للناس بمداواة من تلدغه أفعى أو عقرب، وهو ليس بالمرض، إنما هي إصابة كان الأقدمون في هذه المحافظة يجيدون التعامل معها حفاظاً على حياتهم، إذ كانت الأفاعي السامة والعقارب تنتشر في منطقة "الرقة" سابقاً بكثرة شديدة، وحسبما يقوله الرواة من المسنين الذين ما زالوا على قيد الحياة، أنّ الناس كانوا حذرين جداً من هذه الأفاعي، لذلك كانت لدغاتها قليلة مقارنة بلدغات العقارب، وإن حدث أن لُدغ أحدهم من أفعى أو عقرب، كانوا يبادرون إن كان الملدوغ بالغاً، بربطه فوق مكان "اللدغة" بقليل، لمنع تسرب السم إلى بقية الجسد، ويقوم أهل الملدوغ بإحداث جرح سطحي فوق مكان "اللدغة"، ثم يأخذونه إلى أحد الشيوخ من أصحاب الكرامات، كي يمتص السم بفمه، بعد أن يكون قد وضع في فمه جرعة من حليب الشاة، اعتقاداً من هذا الشيخ أنّ الحليب يغلف السم، ولا يدعه يختلط مع دمه، إن كان في فمه جرح على سبيل المثال، وبعد ذلك تقوم والدة أو زوجة الملدوغ، بسحق حبات من الثوم مع الملح، ويضمدون بها مكان اللدغة والجرح المحدث، ويعللون ذلك بأن الثوم يمنع السم من الحركة والنفاذ إلى بقية أجزاء الجسم، علماً أنّ هذا الضماد يترك أثراً على شكل حفرة مكان اللدغة».

وعن كيفيات أخرى في مداواة الملدوغ، متبعة في ذاك الزمان، يتابع ضيفنا حديثه بالقول: «البعض من الناس كانوا يلفون المكان الملدوغ في كرش غنم مذبوح حديثاً، ويعللون ذلك أنه طالما أن الكرش ساخنة، فإنها تمتص السم من جسد الملدوغ، ودليلهم على ذلك أن لونها يتغير ليصبح أزرقاً، وينصح بطمرها في التراب بعد ذلك، ومن الأمراض الشهيرة الأخرى بذاك الزمان نذكر (عرق النساء أو النسا)، وهي تسمية قديمة عند العرب، أما أهل "الرقة" فيسمونه "حية الهوا"، وهذا المرض يصيب الرجال والنساء على حد سواء، إذ يصيب عرقاً محدداً في الفخذ إصابة شديدة، ولهذا المرض عند العرب جراحون مختصون، يعالجون المريض مباشرة دون تخدير، ويرافق ذلك آلاماً مبرحة، وغالباً ما تكون نتيجة المعالجة حاسمة كلياً، فالمعالج الشعبي يعرف تماماً أين يكون موضع فصد العرق، حيث يقطع منه مساحة معينة، وعند موضع القطع يقوم المداوي بوضع دواء خاص من شأنه كف الدماء السائلة، ويربط الجرح بإحكام، ثم يصف له الطبيب الشعبي المعالج وصفة يتناولها حتى يشفى، وبعض المعالجين لهذا المرض يستعملون الكي بواسطة قطعة حديد، فيكوى بها المريض بأماكن محددة، بعضهم يحدد الموضع فوق الكاحل، وبعضهم يحدده عند موضع فوق الإصبع الكبير للقدم، واللافت للنظر أنّ أغلب المرضى يتحملون آلاماً مبرحة سواءً في الكي أو في العمل الجراحي، لرغبتهم الشديدة في الشفاء».

نباتات مع جذورها لصنع الدواء

وعن أمراض أخرى يتابع "العزو" حديثه بالقول: «ونذكر أيضاً مرض (اللقوة)، وهو مرض يتظاهر بشلل نصفي للوجه، وثقل في حركة العينين، وبطئ في حركة اللسان، واعوجاج في الفم، مما يؤثر كثيراً على النطق، وكان أهل "الرقة" يعالجونه بطرق، كعزل المريض في غرفة مظلمة ومنعه من الكلام، وتمرير الضمادات الساخنة فوق المنطقة المصابة من وجهه، وتجنيبه البرد، وكانت الغالبية منهم تأخذ هذا المريض إلى الشيوخ والسحرة، بقصد وضع تميمة له، أو كان الأمر يأخذ منحىً محرجاً، إذ يقدم بعض الدجالين على ضرب المريض في وجهه بحذاء قديم، وكان المريض نتيجة للجهل السائد بهذا المرض في ذلك الزمان، نادراً ما يشفى، أما (الحصبة)، فكانت غالباً ما تصيب الأطفال، لذلك كان أهل "الرقة"، والبدو وجميع سكان البادية، يسمونه بـالمرض الزائر، وعلاجه نفس علاج مرض الجدري، حيث يسقى المريض الماء الساخن مع الأعشاب، وينام في غرفة دافئة، ولا يتعرض للهواء، وهناك مرض آخر كان الناس يشكون منه كثيراً، يتظاهر بصداع شديد في الرأس، وبعضهم يسميه (ألم الدم) وهو مرض يصيب الرقبة والرأس، ويشترك مع مرض اللقوة في ثقل حركة العينين، وصعوبة النطق في الكلام، ويعلل المداوون لهذا المرض سبب الألم الشديد عند المصابين به، بوجود دم فاسد في أجسادهم، لذلك يلجؤون إلى عملية الفصد والحجامة، وهم بارعون في ذلك، والفصد يكون على ثلاثة أنواع، أولها إدخال إبرة أو قطعة معدنية مشابهة إلى أنف المريض، ويعمل على خرز غضاريف الأنف الداخلية، لتسيل الدماء مباشرة بغزارة وكأنها الرعاف الذي يحدث عادة للناس، وثانيها تثبيت قطعة معدنية أحد طرفيها حاد جداً، على عرق من عروق جبين المريض، ونقره بقوة بواسطة الإصبع الوسطى لليد، حيث تنزف الدماء بغزارة، ويبقي الدم ينزف حتى يتغير لونه، وثالثها الحجامة، حيث يقوم المداوي بحلق الجزء السفلي من شعر الرأس الخلفي، ثم يقوم بفصد الجلد الذي يغطي العظمين الواقعين خلف الأذنين، بواسطة آلة حادة ودقيقة، حيث يستطيع جذب الدم بواسطة كؤوس الحجامة».

كما التقينا طبيب الأعشاب الشعبي الشهير في محافظة "الرقة"، "صبحي الجدوع"، وسألناه عن بعض الأمراض القديمة التي كانت شائعة بذاك الزمان، كـ"الدمامل" و"الحمى" و"العواية"، فأجاب: «مرض (الدمامل) كان شائعاً عند أهل "الرقة"، وكان الناس يعتقدون أنّ هذه الدمامل تسحب الأمراض الموجودة في الجسم، وتحولها إلى قيح وصديد وتطرحها خارجاً، وكانت تلك الدمامل عند بعض المرضى ذات حجم كبير، وبعضها ذات حجم صغير، وهي مؤلمة أثناء النوم ليلاً، واستعمل المداوون القدامى لمداواتها بعضاً من أوراق "الشيح" و"الدعجة"، بحيث تغلى بالماء ويضاف إليها قليل من السمن العربي، وتوضع في ضمادة من القماش فوق الدمامل لفترة من الزمن، لتنفجر الدمامل بعد ذلك، فيخرج ما بداخلها من قيح، وتُزال الضمادة ويُدهن موضع الدمامل بالزيت وبمادة "الصبر"، للتطهير حتى تجف ويصبح الجلد طبيعياً، أما (الحمى) فإنها كانت منتشرةً بكثرة في منطقة "الرقة" والبادية السورية، وحصدت الحمى بذاك الزمان، الكثير من أرواح القرويين في أرياف المنطقة الشرقية، وفي عهد الانتداب الفرنسي تحسن الوضع الصحي، وكوفح هذا المرض مكافحة شديدة بعد الاستقلال، وبعد ستينيات القرن الماضي شخّص الأطباء هذا المرض فعرف بـ(حمى التيفوس)، أو "التيفوئيد"، وكان الناس في الأرياف يعزلون المريض المصاب بتلك الحمى خوفاً من انتشار العدوى، وقد عرفوا ذلك من التجربة التي مرّ بها الآباء والأجداد، كما أنهم كانوا يضعون في طعام المريض مسحوقاً لبعض النباتات البرية، أما مسحوق (حبة الحلبة) فكانوا يضعونها في شراب المريض، اعتقاداً منهم أنها تخّفض درجة حرارته».

الباحث "محمـد العـزو"

ويختتم طبيب الأعشاب الشعبي "صبحي الجدوع" حديثه قائلاً: «أما (العوّاية) فهي التسمية الشعبية لأهل "الرقة" للسعال الشديد المتواصل، والبرد كان هو السبب المباشر لهذا المرض، إذ تصاب القصبات الهوائية للإنسان بالالتهاب، فيسعل الإنسان سعالاً قوياً يشبه صوت العواء، ومن هنا جاءت تسميته الشعبية بـ "العواية"، وعلاجها عند عرب أهل "الرقة"، الشراب الساخن من النباتات البرية المختلفة، مثل شراب البصل المغلي بالماء، وشراب نبات الزعتر البري».

ويذكر أن هذه الأمراض وبعد التقدم الهائل في العلوم الطبية، وبعد الخدمات التي أصبحت تقدم للمواطن أصبحت تدرس في كليات الطب البشري في القطر كأمراض مرت بتاريخ البشرية، ومن باب المعرفة نذكر أن أشهر من أصيب بمرض الجدري في البادية السورية، هو الشاعر الشعبي الشهير "عبد الله الفاضل"، الذي ما زالت قصيدته الشهيرة دارجةً على لسان أهل "الرقة" عندما قال:

«هلي عزَّ النزيل وعزّ من قال ثقال الروز ماهم حجر منقال».