كان بعد الأرض عن مكان السكن يفرض على الحصادين في الريف عادات وتقاليد طارئة لشهر كامل من كل سنة، ويمكن أن يمكث هؤلاء في الحقل البعيد طوال هذه المدة بعيداً عن العائلة، وتتمثل مهمة النساء في جلب الطعام والشراب إلى الحقل في حال كانت الأرض ملكاً لهم، والمساعدة في أعمال الحصاد، ولتلك العملية أدوات ظلت إلى وقت قريب أحد شروط العيش والتغلب على التعب والجوع والعطش وسط الحرارة والأجواء الصعبة.
يقول الباحث في التراث الأستاذ "سلمان البدعيش" لموقع eSuweda عن الطعام والشراب الذي كان يقدم للحصادين في الأرض: «يأكل الحصادون وينامون في الحقل، ويجلب لهم الطعام يومياً من قبل صاحب الأرض، وقد درجت العادة على تناول طعام الفطور في الضحى، وينالون قسطاً من الراحة يسمى (التنفيسة) أي التنفس، ولكن المشكلة في ماء الشرب، حيث يشربون الماء فاتراً نتيجة لحرارة الجو في فصل الصيف من وعاء مصنوع من الخشب يسمى (كيله) وهذا الوعاء يخفف من درجة حرارة الماء نتيجة لرشح الماء البسيط منه. وهناك وعاء مماثل من الخشب أيضاً ولكنه أصغر قليلاً ويستعمل كمكيال للسمن ويتسع لما وزنه 2 كلغ ويسمى (كولك).
المشكلة الثانية المزعجة التي يعاني منها الحصادون هي (البرغش)، وهو نوع من البعوض الصغير يتكاثر في الصيف، وخاصة أيام الحصاد ويحط على الوجه والعينين بأعداد كبيرة ويؤدي أحياناً إلى تورمهما جراء اللسعات المتتالية التي يقوم بها للوجه وجفون العينين، وكانت الوسيلة الوحيدة لإبعاده تتمثل في دهن الوجه بالقطران مع ما يسببه ذلك من رائحة كريهة وترك بقع على الوجه باللون الأسود لا تزول إلا بعد أشهر
ينقل الماء إلى الحقل على ظهور الدواب بواسطة (القربة) وهي وعاء على شكل كيس له باب ضيق يصنع من جلد الماعز، وإذا كانت القربة كبيرة تسمى (الجود)، وهناك أوعية أخرى يمكن أن تستعمل مثل (السعنه) والظرف و(العِكّة) المصنوعة من جلد الماعز أيضاً كأوعية للحفظ المؤقت للسمن ريثما ينقل إلى (البياطس)، والبيطس هو وعاء فخاري كبير يشبه الجرة وكان الرومان يستخدمونه لحفظ الزيت والنبيذ. وعندما تكون السعنه أكبر حجماً تسمى الشكوة وأكبر منها (الجُف) والجف يصنع غالباً من جلد العجل ليكون أكثر اتساعاً بحيث يتسع إلى حوالي 50 لتراً من الحليب أو اللبن الرائب، وهما يستخدمان لخض اللبن الرائب واستخراج الزبدة منه وتحويله إلى لبن مخيض يسمى (الشنينة)، وهو أحد أهم المشارب التي يتناولها الحصادون مع الزبدة الطازجة».
والذي عاش عن قرب في تلك المرحلة يلاحظ أن وجوه أغلب الرجال كانت تتميز ببقع سوداء لا علاقة للشمس فيها، يتابع "البدعيش" قوله: «المشكلة الثانية المزعجة التي يعاني منها الحصادون هي (البرغش)، وهو نوع من البعوض الصغير يتكاثر في الصيف، وخاصة أيام الحصاد ويحط على الوجه والعينين بأعداد كبيرة ويؤدي أحياناً إلى تورمهما جراء اللسعات المتتالية التي يقوم بها للوجه وجفون العينين، وكانت الوسيلة الوحيدة لإبعاده تتمثل في دهن الوجه بالقطران مع ما يسببه ذلك من رائحة كريهة وترك بقع على الوجه باللون الأسود لا تزول إلا بعد أشهر».
كانت نساء تلك الفترة من الزمن يعانين الأمرين، فأعباء المنزل كلها ملقاة على عاتقهن، بالإضافة إلى المساعدة في أعمال الحصاد وتأمين الطعام، تقول السيدة أم فريد "أكابرعقل" عن أعمال النساء: «كان الرجال يبيتون في الحقول البعيدة عن القرية، وتتمثل مهمتنا في نقل الطعام إليهم باكراً، فنستيقظ قبل بزوغ الشمس من أجل إعداد الخبز، وتأمين حاجات المنزل
وحلب المواشي وإطعامها، والقيام بأعمال الخضيض قبل التوجه إلى الحقل للمساعدة بأعمال الحصاد، وهي عملية غاية في الصعوبة، وكانت النساء تتحمل عبئاً كبيراً في الذهاب والإياب طوال شهر كامل، ولا تنسى أن هناك أولادا صغارا بحاجة إلى رعاية وطعام، وبعض النساء كانت حوامل، وهناك حالات كانت تلد فيها النساء في الحقول».
يترك الحصادون سنابل القمح خلفهم على شكل مجموعات تسمى كل منها (شميلة)، وتقوم امرأة تسمى (المغمّرة) بجمع هذه الشمائل حيث تكومها في مكان واحد على شكل متوازي المستطيلات يسمى (الحِلّه) ويمكن لرجل أن يقوم بهذه المهمة إذا لم تتوافر النساء.
يقول الشيخ أبو جهاد "عليوي الصالح" البالغ من العمر ثمانين عاماً عن هذه المرحلة في تجميع السنابل: «يبدأ التغمير بعد فترة وجيزة من قيام الحصادين باقتلاع السنابل وتكويمها على شمائل متلاحقة، وتتساقط بعض سنابل القمح نتيجة الحصاد أو التحميل، وتتناثر في أرجاء الحقل ولما كان تخصيص عامل لجمعها غير مجدٍ اقتصادياً فإنها تترك (للّواقيط) ومفردها (لقوطة)، وهي امرأة تتبع واجهات الحصيدة ويمكن أن تنام في الحقل مع بقية العاملين والعاملات في الحصاد لعدة أيام لتجمع ما يتبقى من سنابل القمح المتخلفة في أرجاء الحقل فتقوم بجمعها في رزم وتكون ملكها ولا يطالبها صاحب الأرض بشيء منه لأنه سيتكلف أجرة جمعها بأكثر من قيمتها، ومن يقمن بهذا العمل هن غالباً من النساء الفقيرات اللواتي يساهمن بإعالة أسرة. وفي المساء تدقها بواسطة قطعة خشبية تسمى (الميجنة) لفصل حبوب القمح عن القش وبذلك تحصل على قسم من مؤونتها ومؤونة أولادها بصورة مجانية، وجرت العادة أن يقوم صاحب الزرع الذي يحصد بإعطاء هذه السيدة بعض رزم القمح كنوع من الزكاة أو الحسنة.
وعندما تفصل المرأة القمح عن القش فإنها لا ترمي سيقان القمح بل تصطحبه معها إلى منزلها وتقوم بصبغه بعدة ألوان لتستعمله في صناعة القش التقليدية التي ينتج منها (الطبق والقفة، والمغمقان، والمنسفة). وهي أوعية من القش يستخدم الأول ليؤكل عليه أو وضع الخبز عليه، والثاني لحفظ الملابس والقطع القماشية المختلفة، والثالث لنقل التبن، أما المنسفة التي تأخذ شكل الصينية المقعرة فتستعمل لفصل قشور القمح المتبقية بين حبات البرغل قبل طبخه، وهذه العملية تسمى (التنسيف) نسبة إلى المنسفة ويمكن أن تستخدم المنسفة للعدس أو الحمص أو أي حبوب نريد فصل القشور أو الشوائب الخفيفة عنها».
