جمع الزهور، تنظيفها، تقطيرها، وغليها بالسكر، مجموعة من المراحل التي تنتج في بدايتها "ماء زهر الليمون"، وفي آخر مراحلها "مربى زهر الليمون".
يمثل "زهر الليمون" إحدى أهم مراحل تكوّن ثمار شجرة الليمون، وبالتالي يضع النبات في هذه المرحلة أفضل ما ينتجه من عناصر مغذية بغية تكوين ثمرة قوية قادرة على تحمل الظروف الجوية في رحلتها نحو النضج، يقول المهندس "ورد سلامة" من مدينة "طرطوس": «تمثل صناعة "مربى زهر الليمون" جانباً واحداً من مزايا هذه الزهرة الغنية بعناصرها الغذائية والفيتامنيات، في حين يمكن وضع زهرة في كأس من الشاي لإضافة نكهة غنية ورائحة زكية لكأس الشاي، وفي "طرطوس" يضع كثير من الناس عدة زهرات ليمون "الحامض والزفير البري" في كأس "المته" لإضفاء نكهة غنية، وفائدته مؤكدة في تهدئة الأعصاب وإعطاء الجسم الكثير من الفيتامينات، كذلك تضيف بعض سيدات "طرطوس" بضعة زهرات وأوراق حديثة العهد من الشجرة إلى خليط "الرز بحليب" لتحسين الطعم بفارق كبير جداً، ومن هنا يمكن تخيل مدى الفائدة التي سنحصل عليها في حال تناولنا الزهرة كاملة عند صناعة "مربى زهر الليمون"».
في حال عدم وجود "كركي" خاص بتقطير "ماء زهر الليمون" يمكن الاستعاضة عنه بصناعة المربى دون تقطير وبنفس الطريقة المعتادة، لكن مع فارق في النكهة حيث يزيل التقطير بعض "المرارة" من طعم الزهر، وكذلك يمكن إتمام العملية كاملة في حال العثور على "كركي" خاصة بصناعة الخمور وهي شبيهة إلى حد كبير بتلك المخصصة لتقطير "ماء زهر الليمون"
في سعيها للحصول على الطريقة الأصلية لصناعة "مربى زهر الليمون" التقت مدونة وطن eSyria السيدة "تميمة البكار" من مدينة "طرطوس القديمة" بتاريخ 2/4/2013 والتي قالت: «في عام 1980 وما قبل كانت مدينة "طرطوس" صغيرة جداً وتنتشر حولها "بيارات الليمون"، وكنا حينها نجمع زهور الليمون حيث كانت هذه الحرفة المنزلية منتشرة في "طرطوس القديمة" لمعرفة الناس الفطرية بغنى وأهمية هذه الزهرة، وكان لدى والدي آلة تسمى "كركي" خاصة بتقطير الزهر قبل صناعة المربى منه، واستمرينا في هذه الصناعة حتى زالت معظم مزارع الليمون وتحولت إلى أبنية حديثة تمثل اليوم "مدينة طرطوس"».
ولإجراء عملية صناعة "زهر الليمون" كاملة تحدثت السيدة "تميمة" بالتفصيل عن مراحل هذه الصناعة، وفي ذلك قالت: «بداية يجب التذكير بأن الشجرة الوحيدة التي يمكن تحويلها إلى "مربى زهر الليمون" هي شجرة الليمون البري "الزفير" أو "البوصفير" كما يسميها "اللبنانيون"، وهذه الشجرة تزهر كجميع أشجار الليمون بداية شهر آذار، حيث نضع قطعة قماش كبيرة تحت الشجرة لتسقط عليها "وريقات الزهرة"، ونقوم كل يوم أو يومين بجمع الزهور المتساقطة وحفظها في مكان بارد إلى أن تصبح الكمية كيلوغراماً على الأقل، نقوم بعدها بإزالة القليل من عنق الزهرة للتقليل من الطعم المر، ثم نغسل الأزهار جيداً ونضيف المياه إلى الأزهار بمعدل ليتر أو أكثر بقليل للكيلوغرام الواحد، وينقع الزهر بالماء لليوم التالي، ثم يوضع في "الكركي" على نار مناسبة لتتم عملية التبخر، ومن ثم يتحول البخار إلى قطرات تمثل "ماء زهر الليمون" وتسمى هذه العملية "التقطير"، والتي تعطي ما يقارب 600 ملل من ماء الزهر لكل كيلوغرام واحد. وفي نهاية عملية التقطير وجفاف المياه عن الزهور تكون أزهار الليمون قد نضجت على النار بسبب الغلي، هنا نضيف 200غ أو أكثر من السكر حسب الرغبة إلى الأزهار بعد غمر الأزهار بالمياه مرة أخرى، وتجري عملية غلي الخليط مع التقليب حتى تجف المياه وينضج الخليط ويصبح قابلاً للهرس بسهولة، وينتج حينها خليط "مربى زهر الليمون"».
وتضيف: «اعتدنا على تناول "مربى زهر الليمون" كأي نوع آخر من المربيات لكن باختلاف كبير في الطعم والرائحة الزكية والفائدة في نفس الوقت، في حين يوضع المربى وماء الزهر بكميات قليلة على كثير من أنواع الحلويات العربية "كنافة وحلاوة بالجبن" ليضيف ذلك مذاقاً آخر لهذه الحلويات، ويجب التنويه هنا بالمزايا الخارقة كما أسميها لشجرة الليمون البري "الزفير" والتي لا يعرفها أغلب الناس، فهذه الشجرة من أوراقها حديثة العهد إلى زهورها وصولاً إلى قشرتها ثم اللب، تستخدم كمربيات "الزهور، وقشور الثمرة" وعصائر للشرب ومنكهات ومواد علاجية في الطب العربي، وكعصير للسلطات بدلاً من "الليمون الحامض"».
في حديث آخر يقول السيد "سليم الصيداوي" تاجر من مدينة "طرطوس": «في حال عدم وجود "كركي" خاص بتقطير "ماء زهر الليمون" يمكن الاستعاضة عنه بصناعة المربى دون تقطير وبنفس الطريقة المعتادة، لكن مع فارق في النكهة حيث يزيل التقطير بعض "المرارة" من طعم الزهر، وكذلك يمكن إتمام العملية كاملة في حال العثور على "كركي" خاصة بصناعة الخمور وهي شبيهة إلى حد كبير بتلك المخصصة لتقطير "ماء زهر الليمون"».
ثم ينهي بالقول: «احترفنا صناعة "مربى زهر الليمون" منذ القديم، حيث يمثل ساحل المتوسط موطناً للكثير من أشجار البرتقال، وبالنسبة إلي فقد تعلمت صناعة هذا المربى من جدي الذي تعود أصوله إلى مدينة "صيدا" في لبنان، حيث تشتهر هذه الصناعة في أيامنا هذه وفي جميع مناطق لبنان مثل منطقة "مغدوشة" حيث يزرع الليمون البري "الصفير" بكميات كبيرة تعيش منها مئات العائلات التي تصنع من هذه الشجرة الكثير من المنتجات التي تباع في الأسواق اللبنانية ويصدر بعضها، كما توجد هناك محلات متخصصة ببيع الحلويات المصنوعة "بمربى وماء زهر الليمون"».
المهندس "ورد سلامة" يضيف: «تمثل عملية صناعة "مربى زهر الليمون" ثقافة بيئية بحد ذاتها، ولايزال البعض في الساحل السوري يقومون بها على ندرتهم، وأعتقد أن البيئة مهيأة لصناعة كهذه لتعود وتزدهر، فحقول البرتقال تنتشر على مساحات شاسعة في "طرطوس" ولا نحتاج إلا لترك بعض أشجار الليمون دون تطعيم لتبقى برية، وفي نفس الوقت يجب تعريف المزارعين بالفائدة المادية الكبيرة لهذه الصناعة، حيث يباع الكليوغرام الواحد من "مربى زهر الليمون" بأكثر من 1000 ل.س، كذلك يبلغ سعر ليتر "ماء زهر الليمون" 1500ل.س أو أكثر أحيانا».
