"حيونة الإنسان"... إبداع "ممدوح عدوان" في سؤال الحرية

كمال شاهين- اللاذقية
يعترف "ممدوح عدوان" بثقة الروائي والشاعر والصحفي، أنه تنقصه العديد من الصفات حتى يطلق على نفسه صفة "الباحث، ويذهب في مقدمة كتابه الأكثر انتشاراً في العالم العربي مطبوعاً ومسروقاً إلكترونياً، إلى الطلب من قراء كتابه "حيونة الإنسان" عدم التدقيق على إيراد المراجع التي استشهد بها في متن كتابه بالشكل الدقيق مكتفياً فقط بإيراد أسمائها.
سبعة أعوامٍ تفصل بين كتاب "حيونة الإنسان"، وما حدث ويحدث على امتداد العالم العربي من خراب ممنهج، أكان الأمر بفعل خارجي أو داخلي، أو كان خسارة لأحلام كبرى أضاعت وضيعت أجيالاً لتبدو القيامة بعيدة جداً أكثر من قبل، وما توقعه الراحل "الذي تليق به الحياة أكثر" بتعبير الراحل الآخر "محمود درويش"، يحدث بكثير من الدقة على امتداد هذه الغبراء العربية.
وإذا كان عنوان الكتاب يثير شيئاً من علامات الاستفهام والاستغراب، فإن الكاتب يوضح سبب اختياره الكلمة "حيونة" بدلاً من "تحوين" وهي الصيغة النحوية الأصح، ويرى الكلمة الأولى أقرب للأفهام، ويكمل كتابه بلغة أدبية غير اختصاصية جعلت من كتابه مصدراً معتمداً في تحليل كثير من الظواهر التي تحدث عنها عبر فصول صغيرة على الغالب في كتابه، بدءاً بتوصيف الظاهرة التي يتحدث عنها وهي "الحيونة" وصولاً بعد 247 صفحة من القطع المتوسط إلى قصيدة درويش الشهيرة "مقاطع من خطاب الدكتاتور" والتي يحاكي فيها كثيراً من فقرات الكتاب إياه.
يرى ممدوح في مقدمة "حيونة الإنسان" إن تصورنا للإنسان الذي يجب أن نكونه أمرٌ ليس مستحيلاً، ولكن هذا التصور يجعلنا حين نرى الواقع الذي نعيشه، "نتلمس حجم خسائرنا في مسيرتنا الإنسانية"، وهي خسائر مستمرة ومتراكمة، وسينتهي بنا الأمر إلى أن نصبح مخلوقات من نوع آخر كان اسمه "الإنسان" من دون أن يعني ذلك تغيراً في شكله، كما يقول الكاتب.
يتصاعد التوصيف للمشكلة التي يراها الكاتب ذروةَ في مسيرة التطور البشري من خلال الاعتماد بشكل رئيسي على عالم الأدب والرواية والقصة والقصيدة، فهؤلاء الأنبياء ـ كما يسميهم ـ هم الأكثر قدرة على التقاط التغير النفسي والجسدي الذي يطرأ على من يتعرضون للتعذيب والعنف، ويقتطف من هؤلاء ما يضيء على تاريخ التوحش عند الإنسان، وما يقابله لدى الإنسان الأعزل من وجع مقيم وألم كبير وانحدار في مستوى علاقتهما معاً مع الإنسانية كمفهوم مرتق أساساً عن لحظة "الحيونة" التي طالما وسِم بها الإنسان فهو ـ كما يقول سقراط في تعريفه الشهير للإنسان "حيوان ناطق".
وكأديبٍ وشاعر وروائي، يستند في رحلته هذه إلى كبار الكتاب العالميين، ويلتقط من إبداعهم تلك اللحظة القاتمة التي صوروها بعين الناقد والمتأسف للحال التي تذهب إليه البشرية ككل، وتحت مختلف الأيديولوجيات والفلسفات أكانت تنتمي للأديان أو للفكر الوضعي البشري، ولا يغفل في رحلته، من الاستناد إلى نقاط علام يعود بها إلى الواقع العربي دوماً، محدداً في سياق تحولات أحوال الإنسان العربي النقاط الأكثر بروزاً والتي تسهم لليوم في جعلة أداة يتحكم بها محولةً إياه إلى جزء من آلة قمع كبرى تشكل الدولة والمجتمع معاً طرفا رحاها.
وعبر صفحات الكتاب، يتساءل "عدوان" عن تلك اللحظات التي وصمت تاريخ البشرية بما لا تحتضنه لغة، فقد كانت (فروات رؤوس الهنود الحمر تؤخذ لتعلق في بيوت الأرستقراطية الأوروبية والأمريكية الراقية والديمقراطية للذكرى، بينما كانت نساؤها يغمى عليهن عند رؤيتهن لفأر)، ويروي قصصاً متعددة يحللها كلها ليضع القارئ في موقع المتهم كشريك تاريخي إنساني عليه أن يتساءل: لماذا ينفرد الجنس البشري وحده بهذه الكمية الكبيرة من العنف المخزون والوحشية التي يقول إنها ليست قدراً محتوماً، فالثقافة والفن والأدب والتربية وغيرها من مكونات الوعي، يمكنها أن تحيل هذه الوحشية إلى طاقة بناء كبيرة يمكنها أن تساهم في بناء حضارة إنسانية جديدة برؤية واقعية لا مثالية.
يأتي الكتاب هذا بعد مجموعة كتب ومؤلفات وأعمال تلفزيونية اشتغل عليها الراحل، حملت جميعها هاجس الحرية بأشكال مختلفة، ويبدو كتابه هذا استكمالاً ـ كما يقول ـ لكتابه النثري الذي أصدره في ثمانينيات القرن الماضي (دفاعاً عن الجنون)، وفيه البذرة الأولى لكتابه هذا، حيث يقول في كتابه السابق: "كان لدى الإنسان حلم جميل، لكن تتالي الأحوال فتح في هذا الحلم جرحاً، وبين الحين والآخر ينتبه الإنسان إلى خسارته الفاجعة هذه، فيدرك أنه صار يجهد لمنع نفسه من الانحدار عن مستواه الإنساني إلى مستوى الحيوان، وحين يقاوم تتخذ مقاومته نوعا من أنواع الجنون".
تشتمل فصول الكتاب على فصول متعددة تتعمق في علم النفس، والتاريخ والفلسفة والأدب، بدءاً بورطة "الإنسان الأعزل" الذي يتساءل فيه عن مسؤولية الإنسان في حد ذاته في ممارسة التعذيب على الإنسان تبعاً لسلسة طويلة من "الإيهام" بالحق والدونية للإنسان الآخر المقابل له، ويكمل مع "صناعة الوحش، مسؤولية الضحايا، القامع والمقموع، الجلاد الذي ينتقم من ماضيه، "السلبطة" كظاهرة في مجتمعات القمع، أصل العنف، الدين والحكم، الحاشية، ويختم مع "قلت للطاغية".
من النقاط البارزة في معالجته، الانقلاب الذي يحول المقموع إلى قامع، ويتجلى ذلك بوضوح في الفكر الذي ينتظر لحظة الانتقام، سواء تعلق الأمر بأكثرية دينية أم أثنية أو أقلية تعيد إنتاج علاقتها مع الآخر بطرق استنزاف المجتمع وتعيق التحول التاريخي إلى فكرة "المواطنة" خاصة مع انتشار وتعميم ثقافة الخضوع والاستلاب من منطق عمومي "ديني على الأرجح"، فمثلاً يتكرر في الكتاب الاستشهاد بقصة "العسكري الأسود" للكاتب "يوسف إدريس" كنموذج لهذه العلاقة الإفرادية بين السجان والسجين ويمكن تعميمها لتصبح علاقة مجتمع بسلطة، فقد كان "عباس" جلاداً يصل في توحده مع مهنته في تعذيب السجناء، درجة يفقد معها وعيه وصوابه، لذلك كان يفرض عليه أثناء عملية التعذيب رقيبان، عملهما التدخل في الوقت المناسب لانتزاع المتهم من براثن "عباس"، وحين يلتقي بأحد اللذين عذبهم وقد أصبح مريضاً، يضرب رأسه بالحيط تعبيراً عن عجزه الكبير والتشوه الأكبر الذي أصابه.
يصعب في مقالة واحدة استعراض كل ما تناوله الراحل في كتابه الممتع هذا، و"ممدوح عدوان" بغناه الثقافي والمعرفي يحيل العلاقة التي تتولد مع صفحات الكتاب إلى دينامو يولد أسئلة كثيرة عبر القراءات المتعددة التي قدمها، وفي النهاية لن يترك القارئ الكتاب دون أن يحفظ منه الكثير من اللحظات المعرفية.
الكتاب صدر عن دار "ممدوح عدوان" للنشر في "دمشق"، عام 2007 في طبعة أولى، في 247 صفحة من القطع المتوسط.