يشغله الصمت كموضوع يعج بالماورائيات ليبوح بأسرار تلك الحالة بالكتابة الأدبية، الشعرية والتشكيلية علناً، هو صمت مدقع في نفوس الكثيرين ممن يعجزون غالباً عن البوح به حتى لأنفسهم، يشهره الفنان التشكيلي "طلال معلا" وجهاً بشرياً يلغي منه ما شاء من أجزاء ويترك أخرى ليلوح بتلك المعالم أو بأحد تفاصيلها عن قضيته، رغم رؤيته لها قضية معقدة على مستوى الفن، فالقدرة على البوح من خلال وجه تخلقها الرغبة بالتفاعل من الجمهور أي بناء صلة تفاعلية مع ما ينتج الفنان، فهو صمتٌ، بعض الأشخاص قادرين على التقاطه والبعض الآخر يجدها لوحات تبوح أكثر من اللازم.

موقع "eSyria" حضر معرض "صمت 10" للفنان التشكيلي "طلال معلا" المقام في "تجليات غاليري" حيث قدم شخوصه المتشابهة جسدياً والمختلفة تعبيرياً ضمن ما يزيد على 40 لوحة مختلفة القياسات مشغولة بالأكرليك ومواد طبيعية أخرى له معها تجارب كثيرة وقديمة، كما حاول إعطاء قيمة إضافية للوحته بتواصله معها جسدياً فيرسم بيده دون ريشة ليبحث عن كيفية نقل أحاسيس لها علاقة بالواقع، بحقيقة الوجه ومقدرتها على نقل التعابير إلى أحاسيس المتلقي، ويقول "معلا": «الفنان بحاجة لأن يعرف فيما إذا كان عمله حقيقياً أو لم يكن، وفي المعرض المجال الاختباري يثبت ذلك أو ينفيه، كما من الممكن أن يصل ذلك إلى الجمهور أو قد لا يصل».

الفنان بحاجة لأن يعرف فيما إذا كان عمله حقيقياً أو لم يكن، وفي المعرض المجال الاختباري يثبت ذلك أو ينفيه، كما من الممكن أن يصل ذلك إلى الجمهور أو قد لا يصل

يتابع "معلا" خلال حواره معنا: «الفنان دائماً بحالة اختبار، والعمل كي يقدم للجمهور بشكل مباشر يفترض أن يكون بشكله الناضج أكثر من شكله الاختباري، فالمعرض ليس تجربة بل يجب أن يملأ العمل مساحة ويتوصل الفنان من خلاله إلى حلول على مستوى اللون، التوازن والشكل، وهي قضايا تقنية خاصة بين الفنان وعمله لكنها بالنهاية تخدم المتلقي الذي يقف أمام العمل كي يلتقط دلالات العمل».

وجوه

يجمع "معلا" بين عشقه للتصوير، الغرافيك والنحت في لوحة واحدة فتبدو بعض وجوهه مرتبطة بالفراغ الموجود في النحت أو ذات خطوط كثيرة تتعلق بفن الحفر، ويقدم شخوصه الموحدة الشكل والتي تضم نفس الأجزاء عموماً لكنه مع كل وجه يقول شيئاً مختلفاً بتعبيرية تكويناته وحركة يده الظاهرة على قماشة الرسم، وعن تلك الوجوه يقول: «قد تكون وجوهي صدامية فيها شيء من القسوة بسبب التشوه، لكنها ليست معطيات من مكونات اللوحة كطراوة اللون أو بلاغة الشكل، إنما هي وجوه مشوهة فعلاً وهذه التشويهات هي روح الإنسان، لأننا من خلال الفن نستطيع اظهار الشكل على حقيقته أكثر، فإذا استطعنا رؤية أرواحنا سنجد وجوهاً لا تشبه أرواح أصحابها، وقد نكون روحياً أجمل أو أقبح مما تبدو ملامحنا عليه».

يؤكد "معلا" أن اللوحة عصارة تجربة الفنان وليست مجرد لوحة قماش، صباغيات وخشب، فهي تعابير ومحاولة لينقل من خلالها تجربته، وأحاسيسه العاطفية، سفره، معاناته ومواقفه من الحياة.

طلال معلا

خلال حضورنا "صمت 10" التقينا الناقد التشكيلي "غازي عانا" وكانت نظرته للأعمال مغايرة لتسمية المعرض، فيقول: «لم أر صمتاً في الأعمال بل وجدت ضجيجياً، حركة وحيوية، هذا الضجيج بدا واضحاً من خلال عنصرين مهمين اللون والضوء، والغرافيك الخط، ما يكسب العمل حيوية شديدة، فمن الممكن أن يضع الفنان فكرة أو موضوعاً يعمل عليه ويبني تسمية معرضه بناء على ذلك، لكن المتلقي يمتلك خيارات لا محدودة ليتواصل مع اللوحة بطريقته ورؤيته الخاصة، وبالنسبة لي كمتلق أرى أن التقنية التي يعمل بها الفنان غير مهمة بل النتيجة والإحساس التي ينقلها العمل هي الأكثر أهمية، ومن خلال "صمت 10" اعترتني مشاعر كثيرة بالتعبير الإنساني الصارخ فأعماله نابعة من عمق الإنسانية وتحمل الكثير من الملامح النفسية والتي تتطلب قراءة مطولة».

أما الفنان التشكيلي "ياسر حمود" يقول: «للمرة الأولى أشعر بأنني أرى الوجه من الخلف، تبدو الأعمال وكأنها لأشخاص اداروا وجوههم لك، كما تعكس لوحاته صدقه مع ذاته فهو قادر بشكل غريب أن يفصل عشقه لقماشة الرسم واتحاده معها».

ألوان معلا

السيد "ادوارد الشاعر" شريك في غاليري "تجليات" حدثنا عن أعمال "طلال معلا": «الصمت مرتبط بأعمال "معلا" ويوجد تدرجاً وارتقاء دائماً في كل أعماله، كما أن الكثير من الفنانين يرسمون الوجوه لكن كل منهم كما يراها ويشعر بها فهو في لوحاته دائماً يرسم الوجه دون عينين يضع محجر العين فقط، وهم أشخاص دون يدين لأنه يعبر عن أشخاص لا يفعلون شيئاً، وبالنتيجة أي لوحة من لوحاته لها بعد فلسفي ناتج عن ثقافته الكبيرة، وهو يعتمد الصراحة الشبه مطلقة بأفكاره».